مقالات رأي

سامر الشاماني يكتب:”كرواتيا.. نهاية المعجزات”

 

تقف كرة القدم اليوم لتشهد فصلاً ختامياً مؤلماً، فعبارة “كرواتيا لم تعد كرواتيا” ليست مجرد توصيف عابر لكبوة جواد، بل هي مرثية بليغة تلخص النهاية الحتمية لحقبة ملحمية صُنفت كأجمل قصة تمرد كروي في التاريخ الحديث. لسنوات طويلة، كانت الروح القتالية والكبرياء الكروي هما الوقود الذي دفع بهذا البلد الصغير، ذي الملايين الأربعة من البشر، ليتحدى قياصرة اللعبة وعمالقتها، معتلياً منصات التتويج العالمية في روسيا والدوحة بصلابة أسطورية قهرت كل التوقعات. لكن هذه الروح الشامخة، التي تعالت على فوارق الإمكانيات والتعاقب الطبيعي للأجيال، لم تعد اليوم كافية لحجب حقيقة السقوط البدني والذهني الصادمة، التي تعرت تماماً فوق العشب الأخضر أمام سرعات وديناميكية المنافسين الأحدث سنّاً وأكثر حيوية.إن المنطق الكروي والبيولوجي الصارم يفرض نفسه في نهاية المطاف، معلناً أن الستار يوشك أن يُسدل، ليس فقط على مباريات بطولة، بل على جيلٍ كامل ذهب معظم رجاله للاعتزال أو شارفوا عليه، تاركين وراءهم إرثاً عظيماً يصعب تكراره، ولكنه إرث يترك خلفه أيضاً واقعاً قاحلاً ومقلقاً. هذا الواقع يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن فصلاً جديداً ومظلماً، محفوفاً بالتراجع والانتكاسات، قد بدأ بالفعل في مسيرة الكرة الكروية، حيث تبخر ذلك السحر القديم الذي كان يحول الأشواط الإضافية وركلات الترجيح إلى ساحة إعدام للخصوم، ليحل محله عجز تكتيكي واستحواذ عقيم يعكس الهوة الشاسعة بين ماضٍ مجيد وحاضر يصارع من أجل البقاء.تتحمل السياسة الفنية للمنتخب الكرواتي جزءاً كبيراً من هذا التراجع المتسارع، إذ تحول الولاء العاطفي للحرس القديم والتمسك بأسماء صنعت التاريخ إلى قيد ثقيل شلّ حركة الفريق وحرمه من الدماء الجديدة. إن عملية الإحلال والتجديد التي تم تأجيلها مراراً، بداعي الحفاظ على “الخبرة” وشخصية الفريق في المواعيد الكبرى، أفرزت في النهاية منتخباً بطيئاً تائه الخطى، يعجز عن مجاراة التحولات السريعة والضغط العالي الذي تميزت به المنتخبات المنافسة، وبدت تلك التمريرات المتقنة التي طالما قادها لوكا مودريتش مجرد محاولات يائسة لتهدئة ريتم قسري لا يرحم كبار السن.على الجانب الآخر، يكشف هذا السقوط المونديالي عن أزمة أعمق تتجاوز مجرد اختيارات تكتيكية لمدرب، وهي أزمة شُح المواهب الحقيقية القادرة على سد الفراغ المرعب الذي تركه نجوم بوزن راكيتيتش، ماندزوكيتش، أو بروزوفيتش. إن المدارس الكروية المحلية والملاعب التي أنبتت تلك العمالقة سابقاً، تبدو اليوم عاجزة عن تقديم بدلاء يمتلكون نفس الكاريزما أو النضج الذهني، مما جعل عملية التجديد تبدو مشوهة وغير مكتملة. هذا الفقر في الزاد البشري الموهوب جعل كرواتيا تدخل المنافسات الحالية بأوراق مكشوفة ومستهلكة، يسهل على أي منافس منظم ومندفع بدنياً أن يفك شفرتها ويحيد خطورتها دون عناء كبير.إن الخروج الوشيك من دور المجموعات، والذي بات يلوح في الأفق كحقيقة تفرضها الحسابات الرياضية المعقدة، لن يكون مجرد إقصاء عادي، بل هو إعلان رسمي عن نهاية أسطورة “ديفيد وجالوت” التي جسدتها كرواتيا لعقد من الزمن. سيذكر التاريخ أن هذا الجيل رفض الاستسلام لعوامل الزمن وقاتل حتى الرمق الأخير، لكنه سيذكر أيضاً أن الإصرار على العيش في جلباب الماضي دون صناعة حاضر متجدد، هو الذي قاد أسياد الملاحم المارثونية ليكونوا ضحية لعجزهم البدني، تاركين العشاق أمام حقيقة قاسية مفادها أن كرواتيا التي أبكت البرازيل وصدمت الأرجنتين وقهرت إنجلترا، قد تحولت إلى ذكرى جميلة في دفاتر المونديال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com