حسن آل قريش يكتب:”من الرأس الأخضر.. الأخضر طريقه أخضر”

في كرة القدم، لا توجد ذاكرة أطول من ذاكرة الجماهير، ولا فرصة أثمن من فرصة تصحيح المسار. لذلك، فإن المنتخب السعودي يقف اليوم أمام لحظة قد تكون الأهم في مشواره بالمونديال. لحظة لا تتعلق فقط بحصد ثلاث نقاط، بل باستعادة الثقة، واسترداد الشخصية، وإثبات أن الكبوات لا تصنع نهاية الحكاية.
الخسارة أمام إسبانيا كانت قاسية على الجميع، لاعبين وجهازاً فنياً وجماهير. ليس بسبب النتيجة فقط، وإنما بسبب الصورة التي ظهر بها الأخضر، وهي صورة لا تعكس تاريخ المنتخب السعودي ولا حجم الطموحات التي سبقت البطولة. لكن في كرة القدم لا يملك أحد رفاهية الوقوف كثيراً عند الماضي، لأن البطولة لا تنتظر، والفرصة التالية قد تكون بوابة العودة أو بداية الوداع.
ولهذا تأتي مواجهة الرأس الأخضر مختلفة عن أي مباراة أخرى. إنها مباراة الكرامة الرياضية قبل أن تكون مباراة النقاط، ومباراة الشخصية قبل أن تكون مباراة الحسابات. فالمنتخب السعودي لا يحتاج فقط إلى الفوز، بل يحتاج إلى أن يقنع جماهيره بأنه قادر على النهوض، وأن ما حدث أمام إسبانيا كان مجرد تعثر لا يعبر عن حقيقة إمكانياته.
الرأس الأخضر ليس منافساً سهلاً كما قد يتصور البعض. هو منتخب يملك تنظيماً جيداً، ولاعبين يتمتعون بالقوة البدنية والسرعة والانضباط التكتيكي خاصة كابرال هذا اللاعب الممتاز في الجانبين، ويجيد استغلال أخطاء المنافسين واللعب على التحولات السريعة. لذلك فإن المباراة تحتاج إلى تركيز عالٍ منذ الدقيقة الأولى وحتى صافرة النهاية، لأن أي خطأ قد يكلف المنتخب الكثير.
وفي المقابل، يملك الأخضر عناصر قادرة على صناعة الفارق متى ما لعبت بثقة وهدوء. المنتخب السعودي لا تنقصه الموهبة، لكنه يحتاج إلى استعادة الروح، واللعب بشجاعة، والثقة في الإمكانيات بعيداً عن الضغوط التي صاحبت المباراة الماضية. فالموهبة وحدها لا تكفي، كما أن الخطط لا تنجح دون عزيمة وإصرار داخل الملعب.
المطلوب من اللاعبين أن يقاتلوا على كل كرة، وأن يدركوا أن الجماهير لا تطلب منهم المستحيل، بل تنتظر أن ترى منتخباً يلعب بقلبه قبل قدميه، ويحترم الشعار الذي يرتديه. فالجمهور قد يتقبل الخسارة أمام منتخب أفضل، لكنه لا يتقبل غياب الروح أو الاستسلام المبكر.
أما الجهاز الفني بقيادة دونيس، فهو مطالب بأن يتعامل مع اللقاء بمنطق الواقعية. اختيار اللاعبين الأكثر جاهزية، والعودة إلى الرسم التكتيكي الذي يمنح الفريق توازنه، وإدارة المباراة بهدوء، كلها عوامل قد تصنع الفارق. ففي مثل هذه المواجهات، التفاصيل الصغيرة هي التي تحدد مصير الفرق، وليس الأسماء أو الترشيحات.
والأهم من ذلك كله، أن يدرك الجميع أن هذه المباراة ليست نهاية المشروع، وليست حكماً نهائياً على المنتخب أو على اللاعبين. كرة القدم مليئة بقصص العودة، وكثير من المنتخبات بدأت بطولاتها بصورة متعثرة ثم صنعت الإنجاز لاحقاً. وما دام الأمل قائماً، فمن حق الجماهير أن تحلم، ومن واجب اللاعبين أن يقاتلوا من أجل هذا الحلم.
الفوز على الرأس الأخضر لن يمحو كل الأخطاء، لكنه سيكون بداية لتصحيح الطريق. سيعيد الثقة إلى اللاعبين، ويمنح الجماهير جرعة من التفاؤل، ويؤكد أن المنتخب السعودي لا يزال قادراً على المنافسة. أما الخسارة، فستفتح باباً واسعاً للمراجعات والأسئلة، وربما تدفع الكرة السعودية إلى إعادة تقييم كثير من الملفات.



