مقالات رأي

البطل، وصناعة الجدل!

 

يُسدَل السِّتار يوم الأحد القادم على أعظمِ تظاهرةٍ كرويَّةٍ يشهدها العالم .. كأسِ العالم، المونديال الذي يُقام كلَّ أربعِ سنوات، والجميع يترقَّب هويَّة البطل بعد صناعة كلِّ هذا الجدل ..!
الجدل الذي أصبح ملازمًا لكرة القدم، وجزءًا لا يتجزَّأ من متعتها وإثارتها، والذي يأتي في الغالب مفتعَلًا حول البطل، والأحداث التي تُصنع من حوله، وهي أحداثٌ تستند في جلِّها، وغالبًا على الشَّائعات، وربط الأحداث بعضها ببعض، والتي قد تجعل الأمر أحيانًا مقنعًا؛ وإنْ كان مقنَّعًا بوجهٍ غير وجهِ الحقيقة إلى أنْ تحين لحظة الحقيقة المطلقة ليسقط كلُّ شيء .. المُفتعِلون، ومروِّجو الشَّائعات والأكاذيب، ومستغلُّو ربط الأحداث لمصالحهم، واللَّعب على وتر العواطف؛ وليسقط مع كلِّ هؤلاء منافسو الورق الذين تظهر شخصيَّاتهم في آخر المطاف هشَّةً مثل الورق؛ وليعتلي البطل حينها حفنة الأوهام التي روَّج لها الإعلام، والمقيمون معه في برج الأوهام الذي تهاوى على رؤوسهم جميعًا؛ ليطلَّ البطل برأسه فوق كلِّ الرُّؤوس..!
هذا لا يعني أنَّ هناك (أبطال) من (ضَلال)، وآخَرون مجرَّد (ظِلال)؛ لكنَّهم غير موجودين في هذا المونديال .. ربَّما هم في مكانٍ آخَر، ويعرفهم الجميع حتَّى بات التَّصديق بأنَّهم بالفعل أبطال شيءٌ من المُحال..!
هم يعرفون أنفسهم قبل غيرهم؛ فتاريخهم المزعوم تكشفه جغرافيا الفاعلين خلف كواليس الاحتيال..!
ربَّما يرى البعض أنَّ طريق الأرجنتين حتَّى النِّصف نهائي كان أسهل، وبكثير من نظيرتها إسبانيا إذا ما علمنا أنَّ الأرجنتين لم تُواجه في الأدوار الإقصائيَّة قبل دور الأربعة خصمًا بحجم البرتغال، ولا حتَّى بلجيكا اللَّذين تجاوزهما الماتادور الإسباني؛ لكنِّي أرى بلجيكا منتخبًا لا يرتقي بأيِّ حالٍ من الأحوال لقوة وقيمة المنتخب الإسباني؛ أمَّا البرتغال فليس فريق؛ إنَّهم مجرَّد أفراد .. نجوم في فرقهم الأوربيَّة، وأشباح مع منتخبهم الذي يأتي في آخر اهتماماتهم؛ فقد اتَّضح جليًّا من الملعب أنَّهم يلعبون؛ بل يتلاعبون من أجل أنْ يخسر قائدهم؛ وكأنَّه هو مَنْ سيخسر وحده، وليس منتخب بلادهم..!
بناءً على ذلك أرى طرفي نهائي كأس العالم المُرتقب، إسبانيا والأرجنتين، كليهما لم يتعرَّض لاختبارٍ حقيقي يُوازي قوَّتهما، أو يقترب منها إلَّا في مباراتي نصف النِّهائي؛ ليتجاوز كلٌّ منهما خصمه باستحقاقٍ، وجدارةٍ مطلقة تؤكِّد أنَّ وصولهما لنصف النِّهائي نظير ما يمتلكانه من عملٍ جماعي، وعقلٍ فردي، وليس لمواجتهما خصومًا يسهل التَّغلُّب عليهم؛ فهما حين واجها خصمين قويين بما فيه الكفاية ليجعل أحدهما، أو كليهما يتعثَّر أثبتا بما لا يدع مجالًا للشَّك أنَّهما الأحق بلعب النِّهائي؛ فإسبانيا أقصت فرنسا بسيطرةٍ تامَّة، وأفضليةٍ مطلقة، والأرجنتين أقصت إنجلترا بشخصيةٍ مُهيمنة، وروحٍ صلبة..!
إسبانيا فريقٌ جماعي لم، ولن يفكِّر بالتَّراجع داخل منطقة جزائه، ولو تقدَّم في أيِّ مباراة بفارقٍ مريح لأنَّه يعلم أنَّ الدِّفاع بهذه الطَّريقة الغبيَّة لن تجلب له سوى الخسائر، وبنتائج ثقيلة كما أنَّهُ لا يُجيد الدِّفاع بهذه الطَّريقة التَّقليديَّة الباليَّة..!
جماعيَّة إسبانيا لا تعني بأنَّه لا يملك لاعبين أصحاب حلول فرديَّة، وهنا تكمن شخصية المدرب الذي استطاع ترويض الأفراد الموهوبين، وتجنيدهم للجماعيَّة، والجماعيَّة فقط..!
أمَّا الأرجنتين فإنَّها تتميَّز على سبيل المثال عن جارتها الكرويَّة البرازيل بأنَّها منتخبٌ يجمع بين مهارة لاعبي أمريكا الجنوبيَّة، وصلابة الأوروبِّيين الذِّهنيَّة والبدنيَّة .. فريقٌ يلعب بالعقل والقلب، وربَّما هذه الميزة تجعله أقرب للَّقب؛ لكنَّ (جماعيَّة) إسبانيا لن تُكسر بسهولة؛ وإنْ كان في الأرجنتين (فردٌ) عن (جماعة)..!
لقد أسقطت الأرجنتين بفوزها على إنجلترا كلَّ ذلك الجدل الذي صُنع حولها، وحول مسارها السَّهل في البطولة؛ لتحوِّل أنظار العالم إلى مسار العقل، وتدعو العقلاء للاستمتاع بالنِّهائي الأجمل أمام منتخبٍ تُعَدُّ كرته الجماعيَّة على مستوى العالم هي الأجمل!
ختامًا .. صناعة الجدل أسهل بكثير من صناعة البطل، كما أنَّ لعبة الجدل أكثر تسويقًا، ورواجًا من لعبة البطل..!!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com