مقالات رأي

نبيله محمد السهلي تكتب:” بيتٌ من أغصانِ الجنة”

 

كانت ريم تجلس كمن يتساند على جدار لم يعد موجودًا. في عينيها ظلّ نارٍ لم تُطفأ، وفي صدرها حزنٌ يتنفّس على مهل، كأنها ما تزال ترى ولدها وهو يُنتزع من أحلامها قبل أن ينطق أول دعائه.
كان اللقاء الأول تحت ظلال جدار المقبرة ذاتها، المكان الذي غيّب ابنها وضمّ قبلاً ابنته. وحين حاولت الكلام، ارتجف صوتها كرفّة جناحٍ مكسور:
«يا عادل… الفقد لا يرحل، هو يعيش معنا… يجلس إلى جوارنا… ويأكل معنا… وينام على صدورنا.»
اقترب منها عادل، ليس كمن يقدّم عزاءً، بل كمن يعرف الطريق إلى الجرح لأنه سار فيه قبلاً. جلس قربها وقال بصوتٍ هادئٍ يخرج من أعماق رجل ذاق الغرق والنجاة معًا:
«ريم… أنتِ لستِ وحدكِ. أنا أعرف هذا الألم… أعرفه كما أعرف البحر. ابنتي… غرقت. وكنتُ أنا الغوّاص الذي انتشلها بيدي. لم تمت بعيدًا… ماتت في ذراعي، وكأن الله أراد أن يعلّمني أن القوة التي نُظهرها للعالم لا تحمينا من القدَر ولا من حكمته.»
رفعت ريم عينيها إليه، وفيهما سؤال موجوع لا ينطق.
أكمل عادل، وصوته يحمل السكون الذي يشبه سجدة طويلة:
«الفقد يا ريم… ليس عقوبة. هو اصطفاءٌ لا يُفهَم في لحظته. الله ما أخذ منّا إلّا ليعطينا شيئًا آخر، ربما صبرًا، ربما نورًا، وربما طريقًا جديدًا نصل به إليه. نحن لا نختار من نفقد… لكننا نختار كيف نقف بعد الفقد، بالصبر والرضا واللجوء الخالص لله.»
خرجا يومها من عند جدار المقبرة وكل منهما يدرك أن البلاء ليس محصوراً على شخص واحد، وأن الصبر والاحتساب ملزمان لكل عبد.
ومع الأيام، نشأت بينهما رابطة روحية عميقة؛ كان يتصل بها يومياً ليطمئن عليها، وشعر كلاهما أن اليوم لا يكتمل إلا بسماع صوت الآخر والاطمئنان عليه. وتكللت تلك المواساة بالزواج، فكانت له خير امرأة صالحة، وكان لها خير زوج حنون وداعم ومعين على الحياة.
ولم يقف فضل الله عند الشفاء الروحي فحسب، بل أكرمهما الله بعد ذلك ببنت وولد، ليملآ البيت ضحكاً وأملاً جديداً. هناك تيقنا أن عوض الله أكبر وأجمل من كل ما مضى، وأن الرحمة والخير يخرجان دائماً من قلب البلاء حين يرافقهما الصبر والاحتساب لله .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com