بندر الفليت يكتب:” عندما تتحول المنافسة إلى كراهية”

هناك سؤال أصبح من الصعب تجاهله:
هل أصبحنا نشجع أنديتنا… أم نكره الآخرين؟
السؤال يبدو قاسيًا، لكنه يستحق أن يُطرح.
فالرياضة السعودية تعيش اليوم مرحلة مختلفة تمامًا عن السابق؛ جماهيرية ضخمة، استثمارات كبيرة، حضور عالمي، منافسات قوية، وتغطية إعلامية على مدار الساعة. ومع هذا التطور، برزت ظاهرة لا تتناسب مع هذه المرحلة: التعصب الرياضي الذي لم يعد مجرد انفعال جماهيري، بل تحول لدى البعض إلى هوية وسلوك ومصدر للتفاخر.
المشكلة ليست أن تشجع الهلال أو النصر أو الاتحاد أو الأهلي أو أي نادٍ آخر.
المشكلة تبدأ عندما يصبح حب ناديك مشروطًا بكراهية منافسه.
وعندما يصبح الانتصار لا يكتمل إلا بإهانة الطرف الآخر.
وعندما يتحول النقاش الرياضي إلى سباب وتشكيك وتخوين، ويصبح المتعصب أكثر فخرًا بقدرته على استفزاز الآخرين من فخره بأداء فريقه.
هناك فرق كبير بين الانتماء والتعصب فالانتماء جميل
وأن ترتدي قميص ناديك، وتذهب إلى الملعب، تهتف، تفرح، تحزن، وتعيش تفاصيل فريقك… كل ذلك جزء أصيل من جمال كرة القدم.
لكن التعصب هو أن تفقد قدرتك على رؤية الحقيقة و عندما تتعارض مع ميولك.
أن يكون لاعب فريقك مخطئًا فتبحث عن ألف مبرر له، بينما لو ارتكب المنافس الخطأ نفسه تحول إلى «كارثة» و«فضيحة»،أن تخسر مباراة فتبحث عن مؤامرة،أن يفوز المنافس فتبحث عن التقليل من انتصاره.
و أن تختلف مع شخص في كرة القدم فتحوله إلى خصم شخصي،هنا لم تعد الرياضة رياضة،هنا أصبحنا أمام تعصب اجتماعي يستخدم كرة القدم كوقود له ويزيد الحطب على النار .
من السهل أن نضع اللوم كله على المشجع،لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا، التعصب منظومة يشترك في تغذيتها أكثر من طرف الإعلام، الأندية، اللاعبين، المؤثرون، الحسابات الجماهيرية، والمنصات الرقمية… وحتى الجمهور نفسه.
الدراسات السعودية تناولت بالفعل علاقة الإعلام ووسائل التواصل والأندية بظاهرة التعصب، وأظهرت أن منصات الأندية يمكن أن تؤثر في مستوى التعصب، كما يمكن استخدامها في الاتجاه المعاكس للحد منه. وهنا تحديدًا تقع المسؤولية الكبيرة على الإعلام.
لنكن صريحين بعض المحتوى الرياضي اليوم لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن ردة الفعل، عنوان مستفز تصريح خارج السياق مقطع مجتزأ.
سؤال مصمم لإشعال الضيف.
ضيف يعرف أن رفع صوته سيحقق مشاهدات أكثر.
ثم تبدأ الجماهير بالاشتباك في مواقع التواصل وفي النهاية يصبح الخلاف نفسه منتجًا إعلاميًا وهذه واحدة من أخطر مشكلات عصر المنصات الرقمية: المحتوى الهادئ لا ينتشر دائمًا بالسرعة التي ينتشر بها المحتوى المثير.
وقد أشارت دراسات وأبحاث إلى الدور الذي تلعبه وسائل التواصل في تشكيل الخطاب الرياضي، وإلى أن المحتوى المنحاز أو الذي يركز على السلبيات يمكن أن يؤثر في سلوك الجمهور ويزيد التعصب.
وهنا يجب أن نسأل:
هل نريد إعلامًا رياضيًا يرفع وعي الجمهور… أم إعلامًا يعرف كيف يرفع ضغط الجمهور؟!!
الأخطر من وجود المتعصب هو أن يشعر المتعصب بأنه نجم !!
هناك من أصبح معروفًا بسبب صراخه،وآخر بسبب استفزاز جماهير الأندية الأخرى وثالث بنى حضوره بالكامل على السخرية من المنافس.
وبعض الحسابات اكتشفت أن التغريدة الهادئة قد تحصل على مئات التفاعلات، بينما التغريدة المستفزة قد تحصل على عشرات الآلاف.
وهكذا أصبحت الخوارزميات، بشكل غير مباشر، جزءًا من المشهد، كلما كنت أكثر استفزازًا… زاد انتشارك.
وكلما زاد انتشارك… أصبحت أكثر قدرة على التأثير.
وهكذا ندخل في دائرة خطيرة
استفزاز تفاعل انتشار شهرة مزيد من الاستفزاز.
وهذا يفسر جزئيًا لماذا أصبح بعض الأشخاص يتباهون بتعصبهم بدلًا من الشعور بالخجل منه.
والإنسان بطبيعته يدافع عن هويته بشدة، وعندما يشعر أن فريقه يتعرض للهجوم، قد لا يتعامل مع الأمر على أنه نقد رياضي، بل يشعر وكأن الهجوم موجه إليه شخصيًا.
وتزداد المشكلة عندما يعيش المشجع داخل دائرة مغلقة من الحسابات التي تؤكد له دائمًا أنه على حق وأن الآخرين مخطئون فيصبح كل ما يخالف رأيه <عداءً >وكل من ينتقد ناديه «متعصبًا» وكل من يمدح منافسه «مندوبًا».
وهنا تختفي المساحة الرمادية التي تسمح للإنسان بأن يقول
فريقي أخطأ وهذه الجملة البسيطة ربما تكون من أصعب الجمل على المتعصب.
الأندية اليوم تمتلك قوة إعلامية هائلة و الحساب الرسمي للنادي يستطيع الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق.
ولهذا فإن الرسالة التي يرسلها النادي مهمة جدًا، وهل يريد النادي أن يقول لجماهيره
«نحن الأفضل… والمنافس لا شيء»؟
أم يقول نحن الأفضل في الملعب… ونحترم منافسينا»؟
فالفرق بين الرسالتين كبير.
وإذا كانت الأندية تستطيع صناعة الحماس، فهي تستطيع أيضًا صناعة الوعي.
بل إن الدراسات المتعلقة بحسابات الأندية السعودية على وسائل التواصل تشير إلى أهمية هذه المنصات في معالجة ظاهرة التعصب، وليس فقط في نقل الأخبار والمحتوى التسويقي.
الإعلامي الرياضي لديه سلاح أقوى من المدرج و قد يقول جملة في برنامج مدته ساعتان، لكن تلك الجملة قد تنتشر خلال دقائق وتصل إلى ملايين المشجعين، ولهذا فإن حرية الرأي لا تعني غياب المسؤولية.
من حق الإعلامي أن ينتقد و من حقه أن يختلف ومن حقه أن يدافع عن وجهة نظره.
لكن ليس من حقه أن يحول النقد إلى إهانة، أو الاختلاف إلى تحريض، أو المنافسة إلى كراهية فالاستفزاز قد يصنع مشاهدات، لكنه لا يصنع إعلامًا محترمًا.!
لذلك لا بد من حل والحل ليس أن نقتل المنافس بل العكس.
نحن بحاجة إلى منافسة أقوى.
لكننا بحاجة إلى منافسة نظيفة.
وهذا يتطلب خمسة أمور أساسية:
إعلام رياضي مسؤول
البرامج الرياضية مطالبة بأن تعيد الاعتبار للتحليل الفني والمعلومة، بدلًا من الاعتماد المستمر على المشاحنات.
أندية تقود جماهيرها أخلاقيًا
وليس المطلوب من النادي أن يطفئ حماس جماهيره، وإنما أن يوجه هذا الحماس.
محاسبة واضحة للتجاوزات
لا فرق بين مشهور ومشجع وإعلامي عندما يتعلق الأمر بالإساءة والتشهير والتحريض.
وعي جماهيري
الجمهور ليس ضحية دائمًا الجمهور لديه قرار إذا توقف عن إعادة نشر المحتوى المسيء، وتوقف عن مكافأة الحسابات المستفزة بالمشاهدة والتفاعل، فسوف يفقد هذا المحتوى جزءًا كبيرًا من قيمته .
إعادة تعريف «المشجع الحقيقي»
المشجع الحقيقي ليس الأكثر سبًا، وليس الأكثر قدرة على استفزاز جماهير المنافس وليس الذي يدافع عن ناديه حتى عندما يكون مخطئًا.
المشجع الحقيقي هو الذي يحب ناديه، ويختلف مع الآخرين، ويحتفل بانتصاره، ويحزن لخسارته… لكنه لا يفقد أخلاقه في الحالتين.
نحن الان أمام مشروع رياضي سعودي ضخم و أندية سعودية أصبحت تحت الأضواء العالمية، ونجوم عالميون يلعبون في ملاعبنا، واستثمارات ضخمة، ومنافسات تزداد قوة عامًا بعد عام.
وفي الوقت الذي نحاول فيه أن نقدم للعالم صورة جديدة عن الرياضة السعودية، لا ينبغي أن نسمح للتعصب بأن يكون الصورة الأكثر انتشارًا عن جماهيرنا.
نحن لا نحتاج إلى جماهير بلا مشاعر ولا نريد منافسات باردة ولا نريد إعلامًا بلا رأ ي نريد العكس تمامًا جماهير عاشقة… إعلامًا جريئًا… منافسة شرسة… واحترامًا لا يسقط بعد صافرة الحكم.
فالخصم الذي تواجهه اليوم قد يكون هو السبب في أن فريقك يصبح أفضل غدًا.
واللاعب الذي تسخر منه اليوم قد يكون هو من يمنحك غدًا لحظة كروية لا تنساها.
أما الكراهية، فلن تجعل فريقك يفوز والإساءة لن تجعل ناديك أكبر والتعصب لن يصنع بطولة.
البطولات تصنعها الملاعب… أما التعصب فيصنعه البعض خارجها .



