مقالات رأي

لماذا رحل جيسوس؟

لم يكن يدور في خلد أي متابع أو محب لنادي النصر أن المدرب البرتغالي الخبير جورجي جيسوس سيرحل عن «العالمي» في أعقاب موسم ناجح، توّج خلاله الفريق بلقب دوري روشن بعد سنوات من الانتظار. جاء جيسوس إلى النصر وهو يحمل خبرة طويلة وشخصية تدريبية تعرف كيف تبني فريقًا قادرًا على المنافسة، لكنه رحل بعد أن ترك خلفه فريقًا أعاد للنصراويين شيئًا من الثقة والاعتقاد بأن «العالمي» قادر على العودة إلى منصات التتويج.
جيسوس لم يكتفِ بحصد لقب الدوري، بل صنع فريقًا يمتلك شخصية واضحة داخل الملعب، ومزيجًا من اللاعبين المحترفين والمحليين، وقدم كرة قدم هجومية جعلت النصر حاضرًا بقوة في المشهد. لذلك كان السؤال الذي طرح نفسه بعد إعلان الرحيل: لماذا انتهت الحكاية بهذه السرعة؟
هل كانت الأسباب إدارية؟ مالية؟ أم أن هناك تفاصيل أخرى لم يكن من حق المتابع معرفتها؟
الحقيقة أن نادي النصر أعلن الرحيل بصورة رسمية بعد التتويج، من دون الدخول في تفاصيل الخلافات أو الأسباب الدقيقة. لكن تقارير إعلامية تحدثت عن أن جيسوس كان يريد ضمانات تتعلق بتدعيم الفريق للموسم التالي، وأن هذه الضمانات لم تكن متاحة بالشكل الذي يريده المدرب. كما ارتبط مستقبل جيسوس برغبته في قيادة منتخب البرتغال، وهو هدف أصبح أكثر وضوحًا مع مرور الوقت.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
في كرة القدم، الاستقرار ليس رفاهية، بل أحد أهم عوامل النجاح. الفريق الذي يجد مدربًا يفهم إمكاناته ويعرف احتياجاته ويملك مشروعًا واضحًا، يحتاج إلى منحه الوقت والدعم، خصوصًا عندما تكون النتائج قد بدأت تظهر على أرض الملعب.
ولعل التاريخ يقدم لنا شواهد كثيرة على أهمية الاستقرار الفني، من أرسين فينغر مع أرسنال إلى السير أليكس فيرغسون مع مانشستر يونايتد، حيث لم تُبنِ تلك التجارب في موسم أو موسمين، وإنما عبر سنوات من العمل والتراكم.
اليوم يعيش النصر مرحلة مختلفة. رحل المدرب الذي أعاد الفريق إلى لقب الدوري، وجاء الأسترالي أنجي بوستيكوغلو لقيادة المرحلة الجديدة، في محاولة للحفاظ على المكتسبات والبناء عليها. لكن مهمة المدرب الجديد ليست سهلة، لأنه سيبدأ عمله تحت ظل المقارنة المستمرة مع ما قدمه جيسوس، خصوصًا أن الأخير غادر وهو بطل للدوري. وقد أشار الدوري السعودي نفسه إلى صعوبة تعويض مدرب صاحب سجل ونجاحات مثل جيسوس عند تقديم بوستيكوغلو.
ومن الطبيعي أن ينظر الجمهور إلى ما فعله جيسوس باعتباره معيارًا للحكم على المرحلة المقبلة، لكن من الإنصاف أيضًا منح المدرب الجديد الوقت الكافي لتكوين أفكاره وبناء أسلوبه.
ومع ذلك، تبقى إدارة النصر مطالبة بتقديم صورة أكثر وضوحًا لجمهورها: لماذا رحل جيسوس؟ وما الذي حدث في ملف استمراره؟ وهل كانت المشكلة في المطالب الفنية، أم في الميزانية، أم أن المدرب نفسه اختار الرحيل بحثًا عن تحدٍ جديد؟
هذه الأسئلة لا يطرحها الجمهور من باب الفضول، وإنما لأن الشفافية جزء من بناء الثقة بين الإدارة والجماهير.
النصر اليوم أمام مرحلة جديدة، والمرحلة الجديدة تحتاج إلى قرارات واضحة، واستقرار حقيقي، ومشروع لا يتغير مع كل عثرة.
فالدوري انتهى، وجيسوس رحل، لكن مسؤولية الحفاظ على ما تحقق لم تنتهِ.
وعلى إدارة «العالمي» أن تقدم التوضيحات قبل أن يبدأ الشتاء وتنزل الأمطار… حتى لا يغرق النصر في دوامة البحث عن الماضي، بدلًا من صناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com