قبل القمة… من يشعل المدرجات خارج الملعب؟

في المنطقة الرمادية… حيث لا أبيض كامل ولا أسود مطلق، وحيث الوعي هو الحكم الوحيد، يُقرأ المشهد بهدوء… لكن ليس كل ما يبدو هادئًا بريئًا بالضرورة.
قبل مواجهة نادي النصر والنادي الأهلي السعودي، لا يبدو المشهد عاديًا كما يفترض أن يكون بين فريقين كبيرين اعتادا التنافس في إطار رياضي معتاد. ما يظهر اليوم يتجاوز حدود الملعب، ويتشكل على هيئة موجة من التأجيج المتصاعد، تُدار بإيقاع متسارع، وتُغذّى بتفاصيل مبعثرة، بعضها يُقال دون توثيق، وبعضها يُمرر وكأنه حقيقة.
العلاقة بين الناديين تاريخيًا كانت قائمة على الندية، فوز وخسارة، حضور وتراجع، دون أن تتحول يومًا إلى حالة احتقان أو صراع خارج السياق الرياضي. لكن ما يُلاحظ مؤخرًا هو تضخيم غير مبرر، ونبرة مختلفة، تتجه نحو خلق حالة من التوتر بين جمهورين لم تكن بينهما هذه المسافة.
في مثل هذه المشاهد، لا تكون الإجابة في الاتهام، بل في التساؤل: من المستفيد من رفع حدة التوتر؟ من الذي يكسب حين تتحول المباراة إلى ساحة شدّ عصبي بدل أن تكون منافسة داخل المستطيل الأخضر؟ ومن الذي يدفع باتجاه تضخيم كل تفصيلة حتى تبدو أكبر من حجمها الطبيعي؟ أحيانًا، لا يُصنع الاحتقان من العدم… بل يُغذّى حتى يكبر.
الأهلي اليوم فريق بطل، يعيش نشوة إنجاز، وهذا حق مشروع. والنصر كيان كبير لا يحتاج في كل مرة إلى إثبات قيمته أو تاريخه. ومع ذلك، تُصوَّر بعض المواجهات وكأنها مباريات نهائية، وكأن الفوز على النصر تحديدًا يحمل أبعادًا تتجاوز النقاط الثلاث.
وبين هذه الصورة وتلك، تظهر تفاصيل جانبية: أحاديث متداولة بلا مصادر واضحة، قضايا انضباط لا تُشرح بشفافية، وروايات تُبنى ثم تختفي دون توضيح. كلها مؤشرات صغيرة، لكنها حين تجتمع تفتح بابًا للتساؤل، لا للجزم.
أما الحديث عن “الممر الشرفي”، فهو مثال آخر على تضخم بعض المفاهيم. في جوهره، هو لفتة اختيارية تعبّر عن تقدير، لا التزامًا يُفرض، ولا حقًا يُطالب به. القيمة الحقيقية لأي إنجاز لا تحتاج إلى تأكيد من الآخرين، بل تقف بذاتها.
في النهاية، لا الهدف تأجيج ولا انحياز، بل قراءة واعية للمشهد كما هو، دون مبالغة أو تقليل. فالمنافسة تبقى في أصلها رياضة، وما يحدث خارجها لا ينبغي أن يطغى على جوهرها.
وبين كل ذلك… تبقى الحقيقة كما هي دائمًا:
في المنطقة الرمادية.



