مقالات رأي

عقول فضحتها كرة القدم !

 

يزخر المجتمع بكثيرٍ من العقول البارعة في مجالاتٍ عدَّة، وعلى كلِّ المستويات العلميَّة منها، والأدبيَّة، والثَّقافيَّة، والتِّقنيَّة وغيرها، وحين تقرأ، أو تسمع أطروحات أصحابها يبهرك هذا الضَّوء والوهج الصَّادر منهم، أو من حولهم؛ فتقع أسيرًا لأفكارهم النَّيِّرة في مجالاتهم .. تجذبكَ فكرةٌ خلَّاقة حدَّ الدَّهشة، يأسرُكَ بيتُ شعرٍ مهما فعلت لا تستطيع الخلاصَ من سِحره، تُصفِّقُ لأُطروحةٍ تنضحُ أدبًا واتِّزانًا، ولاكتشافٍ علميٍّ أوشكَ، أو أصبحَ فتحًا، ولبيتِ شِعرٍ باتَ أغنيَّةً لا يحلو السَّمرُ إلَّا بها، ثمَّ ماذا ..؟!
ثمَّ إذا أدخل أحدهم (رأسه) في كرةِ القدم جرَّدهُ من (عقله)، وأتى به هكذا فارغًا تمامًا مثل الكرة (جلد منفوخ) بالهواء؛ فتجد نفسك أمام جمجمةٍ فارغةٍ إلَّا من (الهواء)، و(الأهواء)، ويكسوها جلدٌ مثل جلدِ الكرة؛ لكنَّهُ لا يستر عورة هذا العقل الذي باتَ أجوفًا؛ فذا شاعرٌ أتاهُ شيطانُ أهوائه بدلًا عن شيطانِ الشِّعر ليقول له اكتبْ، وبكلِّ سطحيَّة ما نصُّه :
“ما عاد تفرق من ياخذ الدّوري، كانت عظمته أنْ يحسم اليوم أمَّا هالحين اللِّي بياخذه كنَّه ناجح في الدّور الثاني” ..!
لا لشيءٍ كتب بهذه السَّطحيَّة إلَّا تحسُّبًا لخسارة فريقه اللَّقب، وذهابه إلى منافسه ظنًّا منه أنَّ هذا سيفسد فرحتهم مجهِّزًا “العصابة قبل الفلقة”، رغم أنَّ الدَّوري لم يُحسَم بعد، وأظنَّه حدَّث نفسه بخطِّ رجعة عن هذا فيما لو حقَّقه فريقه لكنْ سطوة السَّطحية عليه في تلك اللَّحظة، وألم انحسار الأمل جعلتْ كلَّ شيءٍ غير التَّقليل من منافسه لا يهم ..!
وذاكَ أديبٌ تلاعب بالكلمات في سياقٍ لغوي يبدو بليغًا متباكيًا على رونالدو ليدسَّ بكلِّ سطحيَّةٍ وسط تباكيه عليه أنَّ أخطاء الحكَّام كانت وراء اقترابه من حلمٍ صحا فجأةً ليجد أنَّه أكبر من فريقه متناسيًا أنَّ هذا الحلم قد يتحقَّق؛ فاللَّاعب مع فريقه مازالوا متصدِّرين، ولم يتبقَ سوى خطوة .. طبعًا هو يكذب على نفسه التي صوَّرها متباكيةً على رونالدو؛ فهو لا يرغب بأنْ يحقِّق هذا الحلم لكنَّه “تفذلك”؛ فكلُّ ما يهمُّه لحظة الشَّماتة، و”اللَّف والدَّوران” على الحقيقة بُغية (التَّقليل) من منافسه علَّ ذلك يشفي شيئًا من ( الغليل) بداخله، وهو يعلم أنَّ خلفه قطيعٌ سيعزِّزون له؛ فهم لا يقرؤوا السُّطور بعينها حتَّى يتفحَّصوا ما بينها؛ فيعيشوا سويةً وهمَ الدَّور ..!
وذلكَ مذيعٌ ذو صوتٍ رخيم زعمَ أنَّ الفرح لا طعم له بعد فوات أوانه ..!
يا سبحان الله هل هو، وأنا، وأنت مَنْ يحدِّد أوان الفرح؛ أم مقسِّم الأرزاق، ومقدِّر الأقدار حزينها ومفرحها؛ أم أنَّ أوان الفرح مربوطٌ فقط بفريقه؛ فإذا ما ابتعد عن اللَّقب، واقترب منه غيره فات أوان الفرح ..؟!
كلُّ هذهِ السَّطحيَّة والاستغفال فقط لأنَّ الموعود بالفرح في الجولة الأخيرة قد يكون غير فريقه، لاحظْ قد، وقد هنا للاحتمال أي لم يتأكَّد شيءٌ بعد؛ فما بالك لو تأكَّد .. ربَّما حينها سيُغنِّي “فات الميعاد” !
لا يُقدِم على تشويه فرحةٍ مُنتظرَة إلَّا عقلٌ مُشوَّه مهما تظاهر بغير ذلك ..!
هذه أمثلةٌ فقط لعقولٍ أبتْ رغم كلِّ ما وصلتْ له إلَّا أنْ تحصر نفسها في حسرة السطحيَّة !
لقد اخترتُ أهون الأمثلة حتَّى يكون هول الصَّدمة على مَنْ يقرأ هيِّنا؛ فما خفي، أو لم يُذكَر هنا أعظم، وأكثر هولًا ..!
كرة القدم متاحة لكلِّ طبقات المجتمع فهي لعبةٌ شعبيَّةٌ يعشقُها الزُّعماء والبُسطاء، الأغنياء والفقراء، مَنْ سلكوا درب العلم والثَّقافة، و”الدَّرباويُّون” .. الكل الكل صغارًا وكبارًا، علماءً وعامَّة؛ لكنْ لا تجعلْ نفسك (أضحوكة عصرك) حين (يعتصرك) الألم لخسارة فريقك، وترمي (عقلك) خارج (رأسك) في (سلَّة المهملات)؛ فربَّما يصعب عليك (استعادته) بعد (الحذف)، وأنتَ الذي أشبعت المنابر ثقافةً وعلمًا؛ فيُقال عنك حينها بعد أن فضحَكَ جلدٌ منفوخ :
“الرِّجال مخابر وليسوا مظاهر” ..!
في هذا المقام، وقبل الختام ليس لنا أنْ ننسى أنَّ هناك (نماذج مضيئة) من خارج (الوسط الرِّياضي) بشقَّيه الإعلامي، والمسؤول يفخر بها الوطن بأسرِه حتَّى وهي تمارس حقَّها في التَّشجيع، والانتماء الرِّياضي إلَّا أنَّها إذا طرحت رأيًا عبر (منشور)، أو (مقال) يتناول شأنًا رياضيًّا وددتَ لو أنَّها (ذات مسؤولية رياضيِّة مباشرة)، ولو على (المستوى الإعلامي) .. يأتي على رأس هذهِ النَّماذج المُضيئة دون منازع الأستاذ والكاتب الكبير والكبير جدًّا خالد السّليمان؛ فهو (نور) وسط عقولٍ ظلمت مكانتها بسطحيتها حتَّى (أظلمت) ..!
أخيرًا يبدو أنَّ عبارة سقراط :
“تكلَّم حتَّى أراك” ستصبح تكلَّمْ عن كرة القدم حتَّى أراك؛ فهي (المجهر) الذي كشف، ويكشف، وسيكشف الكثير من العقول التي خُدعنا بها زمنًا غيرَ يسير حتَّى تعرَّتْ ..!!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com