حسن آل قريش يكتب:”العنابي يا جماله”

نقطة قطر التاريخية أمام سويسرا في افتتاح المشوار، كانت رسالة كروية واضحة بأن العنابي حضر إلى كأس العالم 2026 بشخصية مختلفة، وذاكرة أقوى، وروح تعرف جيداً كيف تنهض بعد الخيبة.
قطر، بطل آسيا مرتين متتاليتين، لم يأتِ إلى المونديال الحالي بحثاً عن الظهور الشرفي، بل دخل البطولة وهو يحمل إرثاً كبيراً صنعه خلال سنوات من العمل والتخطيط والاستثمار في الإنسان والكرة. فهذا المنتخب الذي فرض نفسه بطلاً للقارة في مناسبتين، هو نفسه الذي عاش تجربة صعبة في مونديال 2022، حين استضافت بلاده النسخة الأفضل في تاريخ كأس العالم تنظيماً وإبهاراً، لكن المنتخب لم يظهر بالصورة التي حلمت بها الجماهير.
غير أن الكبار لا يتوقفون عند الخيبة، بل يحولونها إلى درس. وهذا ما فعله العنابي. استفاد من قسوة تجربة 2022، وخرج منها أكثر نضجاً وصلابة، حتى عاد في 2026 بصورة مختلفة، عنوانها الشخصية، والثقة، والإيمان بأن كرة القدم لا تعترف إلا بمن يتعلم ويقاتل حتى النهاية.
ومع المدرب لوبيتيغي، بدا أن قطر استعادت هويتها المفقودة. المدرب الإسباني صنع الفارق، أعاد ترتيب الأفكار، ورمم ثقة اللاعبين، ومنح الفريق شكلاً أكثر توازناً داخل الملعب. لم تعد قطر تلعب بردة فعل فقط، بل أصبحت تعرف متى تضغط، ومتى تصبر، ومتى تضرب في اللحظة المناسبة.
أمام سويسرا، قدم العنابي مباراة رائعة بكل المقاييس. واجه منتخباً أوروبياً منظماً وصعباً، لكنه لم ينهَر ولم يفقد تركيزه. لعب بروح عالية، ووقف نداً قوياً، ونجح في الخروج بنتيجة إيجابية منحت الجماهير القطرية والعربية أملاً كبيراً في أن القادم أجمل.
وفي قلب هذه الشخصية الجديدة، يظل أكرم عفيف هو المحرك الرئيسي للفريق، والعقل الإبداعي القادر على صناعة الفارق في أصعب اللحظات. عفيف لا يملك موهبة آسيوية فقط، بل يمتلك إمكانات تجعله ضمن الأفضل في العالم، بقدرته على المراوغة، وصناعة اللعب، وكسر التكتلات، ومنح العنابي حلولاً فردية حين تضيق المساحات. وإلى جانبه يقف الحارس العبقري أبوندى مفاجأة البطولة السارة، الأخطبوط الذي يمنح الدفاع ثقة كبيرة، ويملك شخصية الحارس القادر على إنقاذ فريقه في اللحظات الحاسمة. هذان الاسمان تحديداً قد يصنعان الفارق أمام كندا.
اليوم، أمام كندا، ستكون الكلمة الكبرى للعنابي. مباراة مفصلية لا تحتمل الحسابات المعقدة، لكنها في الوقت نفسه فرصة ذهبية لقطر من أجل تأكيد الحضور، وفتح باب التأهل إلى الدور الثاني. فالفوز سيمنح الفريق دفعة هائلة، وقد يكون الخطوة التي تنقل قطر من مرحلة المشاركة إلى مرحلة الحلم المشروع.
العنابي قصة منتخب تعثر في بيته، ثم نهض خارج أرضه ليقول إن التجربة لم تنتهِ، وإن بطل آسيا ما زال قادراً على كتابة فصل جديد في المونديال.
العنابي يا جماله.. حين يلعب بروحه، ويثق بنفسه، ويؤمن بأن الحلم لا يزال ممكناً.



