مقالات رأي

عندما تغيب المنافسة… من يطوّر كرة القدم؟

 

في عالم الرياضة، لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد البطولات فقط، بل بقدرتها على صناعة بيئة تنافسية حتى خارج المستطيل الأخضر. فكما تتطور الأندية بالمنافسة، تتطور الاتحادات أيضًا بتعدد الأفكار والبرامج والرؤى.

وأي مؤسسة تُدار لسنوات طويلة دون منافسة حقيقية على قيادتها، تصبح مع مرور الوقت أقل قدرة على مراجعة نفسها، ليس لأن القائمين عليها يفتقرون إلى الكفاءة، بل لأن غياب البدائل يقلل من مساحة النقاش، ويجعل تقييم الأداء أقل حضورًا.

وفي كرة القدم، لا تُعد الانتخابات مجرد إجراء إداري، بل تمثل فرصة لطرح مشاريع مختلفة، ورؤى جديدة، وحلول متنوعة للتحديات التي تواجه اللعبة. وعندما يقتصر المشهد على مرشح واحد، تفقد الجمعية العمومية أحد أهم أدوارها، وهو المفاضلة بين البرامج، لا مجرد اعتماد اسم واحد.

واليوم، تعيش الكرة السعودية مرحلة غير مسبوقة من التطور على مستوى البنية التحتية، والاستثمار، واستقطاب النجوم. إلا أن هذا التطور يحتاج إلى أن ينعكس أيضًا على منظومة الحوكمة الرياضية؛ فالنجاح الإداري لا يكتمل إلا بوجود بيئة تشجع على المنافسة، وتفتح المجال لكل من يملك مشروعًا قادرًا على الإضافة.

وليس المقصود من ذلك المطالبة بتغيير الأشخاص لمجرد التغيير، بل ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل الوصول إلى المناصب القيادية قائمًا على البرامج والإقناع، لا على غياب المنافسين.

إن وجود أكثر من مرشح لا يعني وجود أزمة، بل يعكس حيوية داخل المؤسسة. كما أن فوز أي مرشح بعد منافسة حقيقية يمنحه شرعية أقوى، ويضع أمامه مسؤولية أكبر لتنفيذ وعوده؛ لأنه يعلم أن أداءه سيُقارن بالبرامج التي نافسها، لا بمجرد بقائه في المنصب.

لقد حققت كرة القدم السعودية قفزات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، ومن الطبيعي أن يواكب ذلك تطورٌ في ثقافة الإدارة والانتخاب والحوكمة. فالمنافسة التي نطالب بها داخل الملعب تستحق أن تكون حاضرة أيضًا في مكاتب اتخاذ القرار.

وفي النهاية، لا تخسر المؤسسات بسبب اختلاف الآراء، بل تخسر عندما يغيب عنها التنوع، ويصبح الاتفاق هو الخيار الوحيد قبل أن يبدأ النقاش أصلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com