مقالات رأي

نعمان عبدالغني يكتب:”ترامب واستقلالية كرة القدم”

 

ترتكز “استقلالية كرة القدم” على مبدأ فصل إدارة اللعبة وقراراتها الفنية والقضائية عن التدخلات السياسية. وفقاً للوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، تتمتع اللجان التأديبية بسلطة مستقلة تامة للفصل في القضايا بعيداً عن أي نفوذ حكومي، لحماية نزاهة المنافسة وتكافؤ الفرص بين المنتخبات.
و تعمل الاتحادات الرياضية كهيئات مستقلة تُدير شؤونها وتضع لوائحها (مثل ميثاق الانضباط).
اماالقرارات الفنية فتدار المسائل المتعلقة بالبطولات وقواعد اللعبة والتحكيم من قبل الهيئات الرياضية، وليس من قبل الساسة أو المسؤولين الحكوميين.اما المسؤولية الفضائية فان لجان الانضباط داخل الاتحادات تبت في القضايا استناداً إلى الوقائع واللوائح المعمول بها فقط
تاريخياً، ارتبطت كرة القدم في بعض الدول باستراتيجيات التحرر الوطني، حيث شكّلت رمزاً للهوية في مواجهة القوى الاستعمارية. ومع تطور اللعبة لتصبح صناعة عالمية كبرى، برزت تحديات مستمرة تتمثل في صراع دائم بين سعي الهيئات الدولية لحماية قواعدها المستقلة، وبين محاولات الدول التدخل في القرارات الرياضية، ولعل الجدل الأخير حول استقلالية قرارات الفيفا خلال الأحداث الرياضية الكبرى يبرز مدى حساسية وأهمية هذا المبدأ بالنسبة للوسط الرياضي
وتضمن استقلالية كرة القدم عدة محاور رئيسية:1. استقلالية الهيئات القضائية والتأديبيةتتمتع الهيئات القضائية وقرارات لجان الانضباط داخل الاتحادات الكروية باستقلالية تامة عن السلطة التنفيذية للاتحاد نفسه وعن أي حكومات دولية. على سبيل المثال، يطبق الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ميثاق الانضباط الخاص به بعيداً عن أي ضغوط سياسية
2. الحماية من التدخل السياسي تحظر لوائح الهيئات الكروية الدولية بشدة التدخل الحكومي أو السياسي في شؤون إدارة كرة القدم. وفي حال ثبوت أي تدخل حكومي في شؤون الاتحادات المحلية، تملك الهيئات الدولية مثل الفيفا صلاحية إيقاف الاتحاد المعني وحرمانه من المشاركة في البطولات القارية والدولية.
3. حيادية التحكيم يُعد التحكيم المستقل جزءاً لا يتجزأ من اللعبة، حيث تلتزم الاتحادات الوطنية والقارية باعتماد حكام مستقلين يخضعون لمعايير فنية صارمة بعيداً عن الانتماءات أو الضغوط المؤسسية المحلية والدولية.
4. التحديات المعاصرةغالباً ما تواجه هذه الاستقلالية تحديات وصعوبات، لا سيما عندما تتقاطع الأحداث الرياضية الكبرى مع اهتمامات الدول. ومن الأمثلة البارزة على ذلك الجدل المثار حول قرارات المسابقات الكبرى مثل كأس العالم أو قرارات البطاقات الحمراء وإلغاء الإيقافات التي تشهد أحياناً نقاشات دولية واسعة وتثير مخاوف حول إمكانية تأثر القرارات الرياضية بموازين النفوذ السياسي
فقد تحولت البطاقة الحمراء التي أشهرها الحكم في وجه مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون إلى قضية سياسية وقانونية ذات أبعاد دولية، أثارت تساؤلات بشأن استقلالية المؤسسات الرياضية، وحدود النفوذ السياسي الأمريكي، واحترام مبدأ سيادة القانون.
وتعود بداية الأزمة إلى طرد بالوغون خلال مباراة الولايات المتحدة الأمريكية والبوسنة والهرسك، وهي عقوبة تستوجب تلقائيا الإيقاف مباراة واحدة وفقا للوائح فيفا. لكن ما بدا قرارا تحكيميا عاديا سرعان ما تحول إلى ملف داخل البيت الأبيض مطبخ القرار الأمريكي، بعدما تحركت إدارة ترمب لإلغاء العقوبة قبل مواجهة بلجيكا في الدور ثمن النهائي.
وكشف موقع بوليتيكو أن التحرك بدأ بعد دقائق فقط من نهاية المباراة، حيث انطلقت من البيت الأبيض حملة من الاتصالات القانونية والدبلوماسية شارك فيها مسؤولون حكوميون والاتحاد الأمريكي لكرة القدم، وانتهت بإجراء ترمب اتصالا مباشرا برئيس فيفا جياني إنفانتينو طالب فيه بإعادة النظر في قرار الإيقاف.
ورأى ترمب أن قرار (فيفا) لاحقاً بتعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف كان “قراراً رائعاً حقاً”، نافياً في الوقت نفسه أن يكون قد مارس أي ضغوط على الاتحاد الدولي، وأضاف “لم أملِ عليهم ما عليهم فعله، ولا يمكنني أن أملي عليهم ما يجب أن يفعلوه”.
إنفانتينو يكسر صمته
ومن جانبه قال إنفانتينو، في تصريحات نشرها الحساب الإعلامي لـ(فيفا) اليوم، إنه اطلع على التصريحات المتداولة في شأن قرار لجنة الانضباط المستقلة التابعة لـ(فيفا) بتعليق تنفيذ عقوبة إيقاف بالوغون، مؤكداً أن القضية تعيد التذكير بأحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحوكمة داخل الاتحاد الدولي.
وأضاف إنفانتينو “الهيئات القضائية في (فيفا) مستقلة، وتعمل بصورة ذاتية، وتطبق اللائحة التأديبية للاتحاد الدولي، وتتخذ قراراتها استناداً إلى اللوائح المعمول بها والوقائع الخاصة بكل قضية. إن استقلالها يمثل ركناً أساساً في الحفاظ على صدقية كرة القدم ونزاهتها، ويجب احترام هذا المبدأ دائماً”.
وأكد رئيس “فيفا” أنه يتحدث بصورة منتظمة مع الرئيس الأميركي ترمب في شأن القضايا المتعلقة بكأس العالم، موضحاً أنه تلقى بالفعل اتصالاً هاتفياً منه في شأن قضية بالوغون، ويتلقى اتصالات مماثلة من رؤساء دول ومسؤولين حكوميين وشخصيات عاملة في كرة القدم وقطاع الأعمال حول العالم في ملفات مختلفة.
وأردف “خلال حديثنا، أوضحت له أن هناك إجراءً قانونياً جارياً أمام الهيئات القضائية المستقلة التابعة لـ(فيفا)، وأن القضية ستحسم في الوقت المناسب من قبل الجهات المختصة. هكذا يعمل نظام (فيفا)، وهو مبدأ سأظل متمسكاً به دائماً”
وكشف الاتحاد البلجيكي أن (فيفا) حذف البند المتعلق بالإيقاف التلقائي للاعبين من الاجتماع التنسيقي الذي سبق المباراة، من دون تقديم أي توضيح، على رغم الطلبات الشفهية والخطية المتكررة التي تقدم بها المسؤولون البلجيكيون.
وختم الاتحاد البلجيكي بيانه بالتأكيد أن القضية لن تنتهي بانتهاء المباراة، مشيراً إلى أنه سيواصل التحرك خلال الساعات والأيام والأشهر المقبلة دفاعاً عما وصفه بـ”المبادئ الأساسية للنزاهة والمنافسة العادلة”، معتبراً أن ما حدث يتجاوز نتيجة مباراة واحدة، ويمس صدقية تطبيق اللوائح داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم
ويُعد هذا القرار استثنائيًا، إذ يُعتبر من النادر جدًا تعديل قرارات الإيقاف بعد الطرد في بطولات كأس العالم، وهو أول مرة منذ عام 1962 يسمح فيها “فيفا” للاعب بالمشاركة في مباراة كان من المفترض أن يُوقف فيها بعد طرده في كأس العالم
تدخل ترامب في قضية بالوغون “تحايل على القانون” ويقوض استقلالية الفيفا
أن تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قضية إلغاء إيقاف المهاجم الأميركي فولارين بالوغون يمثل “تحايلا على القانون”، وإن القرار لم يستند إلى مبررات قانونية واضحة، وأن اللاعب حصل على بطاقة حمراء صحيحة تستوجب الإيقاف، وأن ما جرى اقتصر على “تجميد تنفيذ العقوبة” بهدف السماح له بالمشاركة.
و أن رئيس “فيفا” جياني إنفانتينو “أضعف من أن يرفض” طلب ترامب، و أن الأخير فرض إرادته على الاتحاد الدولي، وأن القرار جاء استجابة لضغوط سياسية وليس استنادا إلى اللوائح الرياضية.
أن الجهة التي تضع القوانين تملك القدرة على تعديلها أو تعليق تطبيقها، إلا أن ما حدث يعد تحايل على القانون” لتحقيق رغبة الرئيس الأميركي في مشاركة اللاعب.
و أن القضية تثير تساؤلات بشأن استقلالية “فيفا” وثقة الجماهير في قراراته، معتبرا أن المصالح السياسية والاقتصادية باتت تؤثر في بعض القرارات الرياضية،
و إن الاعتراضات على القرار لن تتجاوز حدود الانتقادات الإعلامية، دون أن تترتب عليها إجراءات عملية، وأن المنتخبات المنافسة مطالبة بالرد داخل الملعب وتحقيق الفوز.
وبوجود مصالح تتحكم في بعض قرارات الاتحاد الدولي، فأن البطولة تخضع لاعتبارات تجارية وتسويقية، وأن بقاء النجوم في المنافسات يخدم هذه المصالح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com