نعمان عبدالغني يكتب:”منظومة كرة القدم الجزائرية”

تشهد كرة القدم الجزائرية حالياً مرحلة انتقالية مهمة، إذ تودّع جيلاً ذهبياً بارزاً يتقدمه رياض محرز، بينما يستعد المنتخب الوطني للتحضير للاستحقاقات المقبلة عقب مشاركته في نهائيات كأس العالم 2026.
فبعد كل خروج مؤلم للمنتخب، يبحث الجميع عن اسم يعلّق عليه خيبة الأمل: رئيس اتحاد، أو مدرب، أو لاعب، أو قرار فني، أو تشكيلة لم تنجح.
وهذا مفهوم عاطفياً؛ لأن كرة القدم في الجزائر ليست رياضة عابرة، بل هي جزء من ذاكرة الناس، ومزاجهم، وأحاديثهم، وشيء من صورتهم عن وطنهم.
لكن عملياً، هذا لا يكفي.
إقالة المدرب قد تكون حدثاً لافتاً في لحظة غضب جماهيري، لكنها ليست جوهر المشكلة.
فالمشكلة أعمق من شخص، وأوسع من مشاركة في كأس العالم أو مباراة، وأطول من برنامج أو استراتيجية اتحاد.
لقد أصبح المنتخب الجزائري نهاية القصة قبل بدايتها.
فالمنتخب هو المصب الأخير لكل ما يحدث قبله: المدارس، والأندية، والأكاديميات، والرابطات، والاتحاد، والبطولة، والإعداد البدني، والطب الرياضي، وتحليل البيانات، والإعلام، والاستثمار، والحوكمة، والفئات السنية، وبرامج صناعة المواهب، والمعاهد، ومراكز التكوين.
وحين يصل الماء عكراً إلى المصب، لا يعقل أن نلقي اللوم على المصب قبل أن نعود إلى المنبع.
ويتبادر حينها السؤال التالي: هل تعمل الرياضة الجزائرية كمنظومة واحدة، أم كجهات متفرقة؟ وهل تتحرك كل جهة وفق اجتهادها وميزانيتها وأولوياتها ومقاييس نجاحها الخاصة؟
وزارة الرياضة، والاتحادات الرياضية، والأندية، والرابطة الوطنية، واللجنة الأولمبية الوطنية، وأكاديميات كرة القدم، والمعاهد ومراكز التكوين، والمبادرات الرياضية، والإعلام، والاستثمار، والمدارس، والجامعات…
كل هذه الأطراف مهمة، لكن قبل أن نسأل: هل تعمل؟ فإن السؤال الأهم هو: هل تعمل في اتجاه واحد؟
مشكلتنا اليوم -في تقديري- ليست نقص الدعم؛ فالدعم موجود، وبحجم تاريخي وغير مسبوق، بشهادة أبسط متابع وأصغر مشجع.
وليست نقص الطموح أو ضعف الدافع؛ فالطموح الجزائري أصبح نموذجاً يُحتذى به في مختلف المجالات.
لكن المشكلة -وبكل أسف- أن المكتسبات أقل من حجم الدعم، والتطور أقل من مستوى التمكين، والأثر لا يوازي ما قُدم للرياضة الجزائرية من ثقة وفرص واستثمار حتى الآن.
وهذا هو المحفز الأكبر لاستشعار المسؤولية.
وقبل أن نقارن أنفسنا بكرواتيا، أو اليابان، أو كوريا الجنوبية، يجب أن نقارن أنفسنا بأنفسنا.
ما الذي جعلنا نصنع ذاكرة إنجاز، ثم نفقد بعد ذلك استدامة النموذج؟
إنه سؤال مزعج، لكنه أهم بكثير من سؤال: من سيكون المدرب القادم؟
ليست المشكلة في مبدأ التعلم من تجارب العالم؛ فالرياضة لا تتطور بالانغلاق.
لكن الإشكال يبدأ حين يتحول التعلم إلى استنساخ متكرر، بلا هوية تنافسية واضحة.
فنبحث يوماً عن المدرسة البرازيلية، ونعجب مرة بالنموذج الفرنسي، ونتجه إلى المدرسة الإسبانية، ثم نستثمر في الكفاءات الهولندية، وقد يلفتنا الأسلوب الإيطالي…
كل هذه التجارب محترمة وقابلة للاستفادة منها، لكن السؤال الذي يسبقها جميعاً هو:
ما نموذجنا نحن؟
وما القيمة التنافسية الجزائرية في رياضتنا؟
لدينا شباب كثير، وشعبية رياضية واسعة، ودعم حكومي غير مسبوق، وتقنيات متقدمة، وثورة في البيانات، ومنشآت رياضية حديثة قيد الاستكمال استعداداً للاستضافات الكبرى، وإعلام رياضي واسع التأثير، ومدارس مكتظة، وجامعات مرموقة، ورقعة جغرافية متنوعة، وفرص واعدة لريادة الأعمال والخصخصة، وطموح كبير.
لكن، هل تحولت هذه المزايا إلى استراتيجية وطنية واحدة، أم بقيت فرصاً متفرقة؟
تعلمت في مسيرتي المهنية أن المشكلة لا تظهر يوم الحدث، بل تكون لها إرهاصاتها قبل ذلك بوقت طويل، وكما يقول المثل: “ليالي العيد تُبان من عصاريها”.
وتظهر هذه الإرهاصات عندما تتداخل الأدوار، وتتباين الأولويات، وتتكرر المبادرات، وتتغير الخطط بتغير الأشخاص، وتُستورد التجارب المرجعية دون تمكين حقيقي لنقاط القوة المحلية.
وتظهر أيضاً حين نملك استراتيجية على الورق، لكن المنفذ لا يستوعبها، فضلاً عن تطبيقها.
وحين تتسع الفجوة بين العرض والميدان، وبين المؤشر والأثر، وبين المشروع والمنتج النهائي الذي يجب أن يصل إلى المنتخب جاهزاً بدنياً وذهنياً وفنياً واحترافياً.
لذلك أقول بكل وضوح:
إن إقالة مدرب المنتخب الوطني لا تكفي، إلا إذا كانت بداية لمراجعة أعمق.
ولا تكفي، إلا إذا اجتمعت جميع الجهات الرياضية ذات العلاقة على طاولة واحدة لصياغة استراتيجية وطنية شاملة لتطوير الرياضة الجزائرية.
ولا تكفي، إلا إذا عرف كل طرف دوره بدقة: من يكتشف الموهبة؟ ومن يطورها؟ ومن يقيس تقدمها؟ ومن يحميها طبياً؟ ومن يمنحها دقائق اللعب؟ ومن يربطها بالمدرسة، والنادي، والرابطة، والاتحاد، والمنتخب؟ ومن يحاسب على تعثرها؟ ومن يضمن استمرارية النموذج مهما تغيرت الأسماء؟
ولا تكفي، إلا إذا أُعلنت الاستراتيجية بوضوح، وتحولت إلى خطط عمل تنفيذية لكل جهة.
ولا تكفي، إلا إذا أصبح السؤال اليومي: ما الأثر الذي تحقق؟ لا: كم مبادرة أطلقنا؟ ولا: كم اجتماعاً عقدنا؟ ولا: كم تقريراً رفعنا؟ بل: كم موهبة اكتشفنا؟ وكم لاعباً طورنا؟ وكم مشروعاً تحول إلى واقع؟ وكم قراراً أصلح خط الإنتاج؟ وكم جهة أصبحت تعمل في اتجاه واحد؟
إن الرياضة الجزائرية لا ينقصها الحلم، ولا الدعم، ولا الجمهور، ولا الرغبة.
ما نحتاجه اليوم هو أن يتحول كل ذلك إلى منظومة واحدة، تعرف إلى أين تذهب، ولماذا تذهب، وكيف تقيس أثر مسيرتها.
فالمنتخب لا يفشل وحده… بل يكشف فقط ما سبقه.
إقالة مدرب المنتخب الوطني لا تكفي؛ لأن المنتخب ليس المشكلة، بل آخر أعراضها.
فهل نغيّر الوجوه، أم نراجع المنظومة؟



