مقالات رأي

نعمان عبدالغني يكتب:”كرة القدم والعنصرية”

 

تُعد كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية في العالم، إذ يتابعها مليارات المشجعين بمختلف أعمارهم وثقافاتهم، لما توفره من متعة وإثارة وتنافس شريف. ولم تعد مجرد لعبة رياضية، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية تؤثر في المجتمعات، وتعكس في كثير من الأحيان طبيعة العلاقات الإنسانية بما تحمله من قيم إيجابية أو سلوكيات سلبية.

ترجع الجذور الأولى لكرة القدم إلى الحضارة الصينية، حيث عُرفت خلال القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد لعبة “كوجو” (Cuju) التي اعتمدت على ركل كرة مصنوعة من الجلد المحشو بالريش أو الشعر. وانتقلت ألعاب مشابهة إلى اليابان تحت اسم “كيماري” (Kemari)، كما عرفت الحضارتان اليونانية والرومانية ألعاباً تعتمد على الكرة، كان أشهرها في روما لعبة “هارباستوم” (Harpastum) التي استُخدمت في التدريب العسكري.
وفي إنجلترا تطورت اللعبة تدريجياً خلال العصور الوسطى، وكانت تتسم بالعنف وغياب القواعد المنظمة، قبل أن يتم تقنينها رسمياً سنة 1863 بتأسيس أول اتحاد لكرة القدم، الذي وضع القواعد الأساسية للعبة، وفي مقدمتها منع استخدام اليد، لتمييزها عن رياضة الرجبي، لتبدأ بعدها رحلة الانتشار العالمي.
وخلال أواخر القرن التاسع عشر، خرجت كرة القدم من حدود بريطانيا إلى مختلف دول العالم، بفضل البحارة والتجار والعمال البريطانيين، لتتحول مع مرور الزمن إلى أكبر صناعة رياضية عالمية، تضم أكثر من 270 مليون لاعب، ويتابع بطولاتها مليارات المشاهدين.
كرة القدم بين الرياضة والمجتمع
لم تعد كرة القدم مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت وسيلة للتقارب بين الشعوب، وجسراً للحوار الثقافي، وأداة لتعزيز قيم التعاون والانتماء. كما أنها تعكس في بعض الأحيان مظاهر الصراع الاجتماعي والسياسي، وهو ما يجعلها مرآةً للمجتمعات الحديثة.
وقد فرضت شعبيتها الواسعة على الحكومات والمنظمات الدولية الاهتمام بتنظيمها وحمايتها، خاصة بعدما أصبحت صناعة اقتصادية ضخمة تحكمها قواعد الاحتراف والاستثمار والإعلام.
العنصرية في كرة القدم
رغم الرسالة الإنسانية التي تحملها الرياضة، فإن العنصرية ما تزال واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد كرة القدم في مختلف أنحاء العالم.
ويقصد بالعنصرية في كرة القدم كل أشكال التمييز أو الإساءة التي يتعرض لها اللاعبون أو الحكام أو المسؤولون أو الجماهير بسبب لون البشرة، أو الأصل العرقي، أو الجنسية، أو الدين، أو الانتماء الثقافي.
وتتعارض هذه الممارسات مع المبادئ الأساسية للرياضة القائمة على المساواة والاحترام وتكافؤ الفرص.
مظاهر العنصرية
تتخذ العنصرية داخل الملاعب وخارجها عدة صور، من أبرزها:
الهتافات والعبارات المسيئة الموجهة للاعبين.
إطلاق أصوات أو إشارات عنصرية من بعض الجماهير.
التمييز في فرص المشاركة أو التوظيف داخل المؤسسات الرياضية.
الإساءات والتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الممارسات الإدارية أو الإعلامية التي تكرس الصور النمطية والتمييز.
آثار العنصرية
تترك العنصرية آثاراً نفسية واجتماعية ورياضية خطيرة، من أهمها:
انخفاض الثقة بالنفس لدى اللاعبين.
القلق والاكتئاب والعزلة النفسية.
تراجع الأداء الفني والتركيز أثناء المباريات.
تفكك روح الفريق وإضعاف الانسجام بين اللاعبين.
انتشار العنف والشغب داخل الملاعب وخارجها.
تشويه الصورة الحضارية لكرة القدم.
جهود مكافحة العنصرية
تبذل الهيئات الرياضية الدولية جهوداً كبيرة للقضاء على هذه الظاهرة، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA)، والاتحادات القارية والوطنية.
وتشمل هذه الجهود:
فرض غرامات مالية وعقوبات رياضية على الأندية والمنتخبات.
إيقاف المباريات عند وقوع هتافات عنصرية.
حرمان الجماهير المخالفة من حضور المباريات.
تنظيم حملات توعوية لترسيخ ثقافة المساواة.
تشجيع اللاعبين على الإبلاغ عن أي سلوك عنصري.
استخدام تقنيات المراقبة الحديثة لتحديد هوية المخالفين ومنعهم من دخول الملاعب.
كما اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم بروتوكولاً من ثلاث مراحل لمواجهة العنصرية، يبدأ بإيقاف المباراة مؤقتاً، ثم تعليقها إذا استمرت التجاوزات، وصولاً إلى إلغائها نهائياً عند الضرورة.
دور التربية والإعلام الرياضي
لا يمكن القضاء على العنصرية بالعقوبات وحدها، بل يتطلب الأمر ترسيخ ثقافة احترام الآخر منذ المراحل التعليمية الأولى، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة والإعلام والأندية الرياضية في نشر قيم التسامح والمواطنة.
كما يتحمل الإعلام الرياضي مسؤولية كبيرة في تجنب خطاب الكراهية، وإبراز النماذج الإيجابية التي تؤكد أن كرة القدم تجمع الشعوب ولا تفرقها.

ستبقى كرة القدم اللغة المشتركة التي يفهمها العالم بأسره، غير أن المحافظة على رسالتها الإنسانية تتطلب التصدي بكل حزم لظاهرة العنصرية، من خلال تطبيق القوانين، وتعزيز التربية الرياضية، ونشر ثقافة الاحترام والتسامح.
إن القضاء على العنصرية ليس مسؤولية الهيئات الرياضية وحدها، بل هو مسؤولية جماعية يشترك فيها اللاعبون، والأندية، والجماهير، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التربوية، حتى تبقى كرة القدم فضاءً للتنافس الشريف، وجسراً للتواصل بين الشعوب، ورسالةً عالمية للسلام والإخاء..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com