عكاشة الأنصاري يكتب:”في فانكوفر جاء «غودو» أخيرًا”

من نابولي ١٩٣٤ إلى فانكوفر ٢٠٢٦، انتظر الفراعنة فوزهم الأول في كأس العالم حتى وصلت الشخصية التي لم تصل في مسرحية صمويل بيكيت
كانت مصر أول منتخب عربي وأفريقي يشارك في تاريخ كأس العالم عندما ظهرت في نسخة إيطاليا ١٩٣٤.
هناك في نابولي خاض المنتخب المصري مباراته الأولى أمام المجر وخسر بأربعة أهداف مقابل هدفين، رغم عودته من التأخر بهدفين إلى التعادل عن طريق عبدالرحمن فوزي.
كانت بداية مبكرة لتاريخ عربي وأفريقي في المونديال، لكنها كانت أيضا بداية انتظار مصري طويل.
دخلت مصر كأس العالم قبل الجميع عربيا وأفريقيا، ثم بقيت تبحث عن شيء تأخر عنها أكثر مما تأخر عن غيرها: الفوز الأول.
لم تعد إلى البطولة في النسخة التالية ولا في النسخ التي جاءت بعدها. مرت الأعوام وتبدلت الأجيال وبقي ظهور نابولي وحيدا في السجل، حتى عادت مصر إلى البلد نفسه بعد غياب امتد ٥٦ عاما.
في إيطاليا ١٩٩٠ حضرت المشاركة الثانية.
بدأ المنتخب مشواره بالتعادل أمام هولندا، ثم تعادل دون أهداف مع جمهورية أيرلندا قبل أن يخسر أمام إنجلترا ويغادر البطولة من دور المجموعات.
خرجت مصر من دون انتصار، لكنها قدمت مشاركة متماسكة أمام مجموعة قوية. سجل مجدي عبدالغني هدف التعادل أمام هولندا من ركلة جزاء، وظل ذلك الهدف حاضرا في الذاكرة المصرية سنوات طويلة لأن المونديال نفسه لم يعد بعدها قريبا.
تحول الهدف الوحيد إلى ذكرى تتكرر، لأن الانتصار الذي كان يفترض أن يأتي بعده لم يصل.
غابت مصر عن ست نسخ متتالية من ١٩٩٤ حتى ٢٠١٤.
كان المنتخب في تلك الفترة يفرض اسمه على القارة الأفريقية ويجمع الألقاب ويصنع أجيالا قادرة على السيطرة قاريا، لكنه كلما اقترب من كأس العالم وجد طريقا آخر يعيده إلى الانتظار.
تغير اللاعبون والمدربون والخصوم والظروف، ولم تتغير المسافة بين مصر والمونديال.
وحين عاد المنتخب في روسيا ٢٠١٨ بعد غياب جديد استمر ٢٨ عاما، بدت المشاركة الثالثة فرصة لإنهاء السؤال القديم:
هل تحقق مصر فوزها الأول أخيرا؟
لكن النتيجة جاءت أكثر قسوة.
خسرت مصر أمام أوروغواي بهدف متأخر، ثم خسرت أمام روسيا مستضيفة البطولة، قبل أن تنهي مشاركتها بهزيمة أمام المنتخب السعودي.
كانت الحصيلة ثلاث مباريات وثلاث هزائم. غادرت مصر روسيا من دون نقطة، وظل الفوز غائبا بعد ثلاث مشاركات وسبع مباريات مونديالية.
كانت المفارقة تكبر مع كل نسخة، فالمنتخب الأكثر تتويجا بكأس أمم أفريقيا لم يعرف طعم الانتصار في كأس العالم.
تعاقبت الأجيال وتغيرت طرق الإعداد واتسعت طموحات الجماهير، لكن النتيجة عند الحضور العالمي ظلت متشابهة: خروج من الدور الأول ووعد مؤجل إلى المباراة القادمة، ثم إلى النسخة القادمة.
ومع مرور الوقت أصبح المشجع المصري يعرف المشهد قبل اكتماله. أداء يمنح الأمل، ثم فرصة تضيع وهدف يتأخر، وبعدها تبدأ الحسابات مبكرا لمعرفة ما يحتاج إليه المنتخب في الجولة الأخيرة.
كان الفوز يظهر دائما كأنه قريب، لكنه لا يصل.
«ليس اليوم… ربما في المباراة القادمة»
ثم تنتهي المباراة القادمة ويصبح الوعد:
«ليس في هذه النسخة… ربما في المونديال القادم»
هنا تحديدا تقترب الحكاية المصرية من عالم الكاتب والمسرحي الإيرلندي صمويل بيكيت، صاحب مسرحية «في انتظار غودو».
رجلان وشجرة وانتظار لا ينتهي
تدور المسرحية في مكان شبه فارغ، طريق وشجرة ورجلان هما فلاديمير وإستراغون ينتظران شخصا يدعى «غودو».
لا يعرف المتلقي بدقة من يكون غودو، ولا لماذا ينتظرانه أو ماذا سيفعل عند وصوله. كل ما يعرفه أن الرجلين يعتقدان أن مجيئه سيغير وضعهما.
يبدأ إستراغون المسرحية منشغلا بحذائه ومتعبا من واقعه ومن الانتظار، بينما يحاول فلاديمير التمسك بالموعد وباحتمال أن يأتي غودو.
يسألان نفسيهما هل هما في المكان الصحيح، وهل هذه هي الشجرة المتفق عليها، وهل اليوم هو اليوم المحدد، وهل من الأفضل أن يرحلا.
كلما اقتربا من قرار المغادرة أعادهما الانتظار إلى مكانهما.
لا يستطيعان الرحيل لأنهما ينتظران غودو.
يمر بهما بوزو الرجل المتسلط وهو يقود لاكي بحبل، ويأمره بحمل أمتعته وتنفيذ طلباته.
يحمل لاكي اسما يعني «المحظوظ»، مع أن حالته لا تشبه الحظ. يقف مقيدا ومرهقا وخاضعا لرجل يتحكم في حركته وصمته وكلامه.
ثم يصل صبي برسالة من غودو:
لن يأتي اليوم، لكنه سيأتي غدا.
ينتهي اليوم من دون وصوله.
وفي الفصل الثاني يعود فلاديمير وإستراغون إلى المكان نفسه. ظهرت أوراق قليلة على الشجرة وكأن شيئا تغير، لكن الانتظار بقي كما هو.
يظهر بوزو وقد أصبح أعمى، ويعود لاكي وقد أصبح أبكم. تتغير أحوال الشخصيات، بينما لا يتحقق الشيء الوحيد الذي ينتظره الجميع.
ثم يعود الصبي بالرسالة نفسها:
غودو لن يأتي اليوم، لكنه سيأتي غدا.
يفكر فلاديمير وإستراغون في الرحيل ثم لا يتحركان، ويفكران في إنهاء حياتهما ثم يؤجلان ذلك أيضا.
تنتهي المسرحية وهما في المكان نفسه، وغودو لا يصل.
غودو المصري
لم يكن المنتخب المصري ينتظر شخصا، لكنه كان ينتظر فوزا أصبح مع مرور العقود شبيها بغودو، قريبا في الوعود وبعيدا في الواقع.
يقال إنه سيأتي في المباراة التالية، ثم يتأجل إلى النسخة التالية.
منذ نابولي ١٩٣٤ بقيت مصر عند شجرتها المونديالية. تغيرت أوراقها وتعاقبت عليها الأجيال ومر بها لاعبون ومدربون ونجوم، وبقي السؤال نفسه:
متى يصل الفوز؟
كان الشعب المصري أقرب إلى ثنائي المسرحية. جانب منه يشبه فلاديمير ويتمسك بالأمل مهما تكررت الخيبات، ويؤمن بأن المشاركة المقبلة قد تكون مختلفة.
وجانب آخر يشبه إستراغون، أتعبه الانتظار ولم يعد مستعدا لتصديق الوعود نفسها.
في كل مشاركة كانت الرسالة تتكرر بصورة رياضية: الفوز لن يأتي اليوم، لكنه قد يأتي غدا.
حتى أصبحت المشاركة نفسها غير كافية.
لم يعد التأهل وحده حدثا يشبع جمهور منتخب تسيد قارته تاريخيا. كان المطلوب أن يتحول الحضور إلى نتيجة، وأن تنتهي العلاقة القديمة بين مصر وكأس العالم، تلك العلاقة التي تبدأ بالأمل وتنتهي بخروج مبكر.
مسرحية مختلفة في ٢٠٢٦
في مونديال ٢٠٢٦ كتب المدرب حسام حسن فصلا مختلفا من النسخة الرياضية للحكاية.
دخلت مصر مشاركتها الرابعة وهي تحمل تاريخا ثقيلا، سبع مباريات مونديالية سابقة من دون فوز.
في المباراة الأولى أمام بلجيكا اقترب الفراعنة من الانتصار وتقدموا في النتيجة، لكن اللقاء انتهى بالتعادل.
كانت النقطة مقبولة أمام منتخب بحجم بلجيكا، إلا أن المشهد أعاد إلى الجماهير إحساسا قديما. اقترب الفوز مرة أخرى ثم تأجل.
كأن الصبي خرج من مسرحية بيكيت ليقول للمصريين:
لن يأتي غودو اليوم… ربما يأتي في المباراة القادمة.
هذه المرة كانت المباراة القادمة في فانكوفر، المدينة الكندية المطلة على المحيط الهادئ والمعروفة باسم «مدينة الزجاج»، والتي تفصلها عن القاهرة قارات وبحار وساعات طويلة من الانتظار.
على ملعب فانكوفر التقت مصر بنيوزيلندا في الجولة الثانية.
كانت الساعة السادسة مساء في المدينة الكندية والرابعة فجرا في القاهرة، توقيتا غريبا لمباراة تحمل سؤالا قديما.
في مصر كان جزء من البلاد مستيقظا منذ الليل، وجزء آخر يستقبل صباحه قبل أوانه. لم يكن أحد يعرف أن تلك الساعات الأولى من اليوم ستصبح فاصلا بين تاريخين للمنتخب.
تقدمت نيوزيلندا مبكرا.
اهتزت شباك مصر وعاد الإحباط سريعا إلى المدرجات وإلى المنازل البعيدة.
لم يحتج المشجع المصري إلى وقت طويل ليفهم المشهد، فقد رآه من قبل بأشكال مختلفة: هدف مبكر وارتباك ومطاردة للنتيجة، ثم انتظار لما قد لا يأتي.
كان من السهل أن تبدو المباراة فصلا جديدا من المسرحية القديمة، وأن يعود المصريون إلى موقعهم المعتاد قرب الشجرة منتظرين فوزا يعدهم بالحضور ثم يختفي.
لكن صبيا ظهر هذه المرة ولم يكن يحمل رسالة بالتأجيل.
كان مصطفى زيكو.
سجل هدف التعادل وأعاد مصر إلى المباراة. لم يقل إن الفوز سيأتي غدا، وإنما فتح له الطريق في الليلة نفسها.
ثم ظهر المخضرم محمد صلاح وسجل الهدف الثاني.
للمرة الأولى لم تعد مصر تطارد الفوز في كأس العالم، فقد أصبحت متقدمة وتمسك به.
ومع ذلك ظل التاريخ ثقيلا.
ثمانية عقود وأكثر من الانتظار لا تنتهي بهدف ثان بسهولة. كان لا بد من تأكيد أن الأمر ليس وهما جديدا ولا وعدا سيتراجع في اللحظة الأخيرة.
جاء محمود حسن تريزيغيه وسجل الهدف الثالث.
عندها لم تعد النتيجة احتمالا، وأصبحت حقيقة:
مصر ٣، نيوزيلندا ١.
حين وصل الخبر إلى القاهرة
بعد ٩٢ عاما من المباراة الأولى أمام المجر حققت مصر فوزها الأول في تاريخ كأس العالم.
احتاج المنتخب إلى أربع مشاركات وتسع مباريات وأجيال متعاقبة ومدن متباعدة، حتى يعثر على انتصاره الأول.
بدأ الطريق من نابولي على البحر المتوسط ووصل إلى فانكوفر على المحيط الهادئ، وبين المدينتين انتظرت مصر أكثر مما ينبغي.
استقبلت القاهرة الخبر في بداية الصباح من دون حاجة إلى انتظار نشرة إذاعية أو صحيفة اليوم التالي.
وصل الهدف من فانكوفر في اللحظة نفسها إلى البيوت والمقاهي والهواتف، وعبر المحيط الهادئ والقارة الأمريكية والمحيط الأطلسي والبحر المتوسط، حتى استقر في بلد انتظر هذه النتيجة منذ عام ١٩٣٤.
لم يكن فوزا في مباراة فقط، وإنما تحريرا لسجل كامل من العبارة التي التصقت بمصر طويلا:
منتخب لم يسبق له الفوز في كأس العالم.
أنهى حسام حسن ولاعبوه الجملة التي ظلت ناقصة منذ المشاركة الأولى، وفعلوا في فانكوفر ما لم يفعله بيكيت في مسرحيته.
في النص الأصلي يبقى فلاديمير وإستراغون في مكانهما ويهبط الستار من دون أن يصل الشخص المنتظر، أما في النسخة المصرية فقد تغيرت النهاية.
لم يقل الصبي إن الموعد تأجل إلى الغد، ولم تبق الشجرة وحدها شاهدة على الانتظار، ولم يغادر الجمهور المونديال بوعد جديد إلى نسخة أخرى.
هذه المرة جاء غودو.
جاء في صورة ثلاثة أهداف، ومن مدينة الزجاج، وبعد ٩٢ عاما من نابولي.
جاء إلى مصر محملا بأول انتصار مونديالي في تاريخ الفراعنة.
في فانكوفر انتهت المسرحية التي عاشتها مصر طويلا، وكتب المنتخب النهاية التي لم يكتبها صمويل بيكيت:
جاء «غودو» أخيرا.



