مقالات رأي

ناصر بن شري يكتب :” الوداع الأخير”

 

 

لم تكن الدموع التي انهمرت على وجه كريستيانو رونالدو بعد صافرة النهاية مجرد دموع هزيمة،
بل كانت جنازة حلم عاش معه أكثر من عشرين عامًا.
كانت الدموع التي قالت ما عجزت الكلمات عن قوله.
في تلك اللحظة، لم يكن العالم يشاهد لاعبًا خسر مباراة، بل كان يشاهد الزمن وهو يطوي آخر صفحاته.
هناك لاعبون يخسرون البطولات ثم يذهبون إلى بطولات أخرى.
أما رونالدو فكان يعلم أن هذه آخر مرة يقف فيها في كأس العالم، وآخر مرة يسمع فيها نشيد البرتغال في المونديال وهو يحمل شارة القيادة، وآخر فرصة لمطاردة الكأس الوحيدة التي استعصت على رجل امتلك كل شيء.
كم هو مؤلم أن ترى الرجال العظماء يبكون، ليس لأن الدموع ضعف، بل لأنها تأتي بعد أن يمنح الإنسان كل ما لديه، ثم يكتشف أن الأحلام ليست كلها قابلة للتحقيق.
عندما ظهر كريستيانو رونالدو لأول مرة بقميص البرتغال لم تكن البرتغال قد حققت أي لقب كبير رغم امتلاكها أسماء كبيرة وأجيالًا مميزة إلى أن جاء الفتى القادم من ماديرا، وكأنه جاء ليعيد كتابة تاريخ أمة كاملة.
قاد البرتغال إلى أول لقب كبير في تاريخها عندما توجت بكأس أمم أوروبا «يورو 2016»، ثم عاد ليقودها إلى لقب دوري الأمم الأوروبية عام 2019 قبل أن يكرر الإنجاز ويحقق اللقب للمرة الثانية عام 2025. وكانت المفارقة التي لا يكتبها إلا القدر أن آخر ألقابه الدولية جاء أمام منتخب إسبانيا، وهو نفسه الذي وقف هذا المساء حاجزًا بينه، وبين آخر أحلامه في كأس العالم، وكأن القدر أراد أن يجعل الفريق ذاته شاهدًا على إحدى أعظم لحظات مجده، وعلى أكثر لحظات مسيرته وجعًا.
أما على مستوى الأندية، فالقصة أكبر من مجرد بطولات. في مانشستر يونايتد، تحول من موهبة واعدة إلى أفضل لاعب في العالم، وهناك بدأ طريقه نحو الكرة الذهبية حيث حققها خمس مرات أولها برفقة المان يونايتد قبل انتقاله إلى الملكي مدريد وهناك كتب فصول أعظم نسخة من الدون كريستيانو رونالدو متوجاً هذه النسخة العظيمة بأربع كرات ذهبية ويصبح هداف المرينقي التاريخي ويقوده إلى إنجازات محلية وقارية متتالية ليؤكد مكانته بين عظماء كرة القدم ويكتب أكثر الفصول مجدًا في تاريخ النادي الحديث، قبل أن يواصل صناعة البطولات مع يوفنتوس.
وحين انتقل إلى نادي النصر، قال كثيرون إن رحلته مع القمة قد انتهت، وإن الزمن انتصر أخيرًا على الأسطورة. لكنه رد بالطريقة التي اعتادها طوال حياته، داخل المستطيل الأخضر. فرض هيمنته على سباق هدافي دوري روشن السعودي منذ قدومه، فتوج هدافًا للدوري في موسمين متتاليين، ثم نافس بشراسة على لقب الهداف في موسمه الثالث، محققاً مع النصر دوري روشن السعودي 2025-2026، ليضيف بطولة دوري جديدة إلى سجل حافل بالألقاب، ويثبت مرة أخرى أن العظماء لا يعترفون بعمر، ولا يتوقفون عن صناعة التاريخ.
لكن، كل هذه الإنجازات لم تستطع أن تملأ الفراغ الذي اسمه كأس العالم.
كان ذلك الكأس هو الحلم الأخير، الحلم الذي ظل يطارده منذ 2006، عبر ست نسخ من كأس العالم، حتى أصبح أول لاعب في التاريخ يسجل في ست نسخ مختلفة من المونديال، لكنه لم يستطع أن يحمل الكأس التي حلم بها طوال حياته.
كم يبدو القدر غريبًا.
هناك لاعبون يرفعون كأس العالم دون أن يغيروا في التاريخ شيء، وهناك لاعب غير كرة القدم كلها، لكن الكأس رفضت أن تعانقه.
رونالدو لم يكن مجرد هداف، بل كان مدرسة متكاملة لكل اللاعبين في العالم. كان أول من يصل إلى التدريب، وآخر من يغادره، وآمن أن الموهبة تفتح الباب، لكن العمل هو من يبقيك في القمة. ولهذا بقي في أعلى مستوى لأكثر من عقدين، وأصبح الهداف التاريخي لمنتخب بلاده، وأكثر اللاعبين مشاركة مع منتخب بلاده، وأحد أعظم لاعبي كرة القدم عبر التاريخ.
ربما اقترب يوم اعتزاله، وربما يؤجل القرار قليلًا، لكن الحقيقة التي لا يستطيع أحد إنكارها، أن العالم لن يرى لاعبًا آخر يشبه كريستيانو رونالدو.
قد يأتي من يسجل أكثر، وقد يأتي من يفوز ببطولات أكثر، لكن قليلين جدًا من يستطيعون أن يغيروا تاريخ أمة، ويمنحوا مئات الملايين من البشر سببًا ليحبوا كرة القدم.
اليوم، لم تسقط البرتغال وحدها، ولم يخسر رونالدو مباراة فقط.
اليوم، سقط آخر جسور كرة القدم.
وربما، حين جفت دموع كريستيانو رونالدو، بدأت كرة القدم تبكي بصمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com