التقارير والحوارات

هل فازت الأرجنتين لأسباب سياسية؟.. كواليس الطبخة التي أطاحت بمصر في أتلانتا ومأزق مصداقية الفيفا

 

 

بقلم/ د. مصطفى رفعت

في ليلة أرادت فيها كرة القدم أن تكتب أسطورة جديدة، كانت غرف الـVAR تكتب سيناريو مختلفاً تماماً. مونديال أمريكا لم يعد مجرد بطولة، ولكن سوقاً للنفوذ، ومصر ضحيته الأبرز.
في ليلة صاخبة بمدينة أتلانتا الأمريكية، لم تخسر مصر مباراة كرة قدم، ولكن خسرت كرة القدم نفسها مواجهة مع التاريخ، حين تحولت “العدالة الرياضية” إلى سلعة تُباع وتُشترى في سوق النفوذ السياسي.
تقدم رجال حسام حسن بهدفين نظيفين أمام حامل اللقب، ووقف العالم على أطراف أصابعه منتظرًا معجزة إقصاء الأرجنتين ومسيرة ليونيل ميسي من كأس العالم. لكن المباراة، التي انتهت بفوز التانجو بثلاثة أهداف لهدفين، فتحت الباب لجدل واسع يطرح سؤالاً مصيريًا: هل النتائج في الملاعب الحديثة لا تزال تُصنع بالأقدام فقط، أم أصبح للتوازنات والنفوذ واقتصاديات البطولة كلمتها فيه؟

الأرجنتين وميسي.. عجز الجماعة وعبقرية الفرد
من الناحية الفنية، أكدت الموقعة أن المنتخب الأرجنتيني الحالي ليس بالفريق المرعب؛ فقد عانى الأمرين قبلها أمام الرأس الأخضر، ثم تاه تمامًا أمام الروح المصرية الجماعية لولاية كاملة من المباراة. الفارق الوحيد الذي صنع الفارق كان “ليونيل ميسي”، فحين عجزت المجموعة، برزت العبقرية الفردية لتعوض عجز المنظومة الفنية والإدارية للأرجنتين، لتقلب ريمونتادا ميسي الشخصية موازين مباراة كانت قد خرجت تمامًا من يد رفاق سكالوني. فاز ميسي، ولكن مصر خسرت تفاصيل صغيرة أدارتها الفوارق الفردية.

ليلة التناقض الصارخ في غرف الفار
الجدل التحكيمي في هذه المباراة تجاوز حدود الأخطاء العابرة. فكيف تفسر أن الحكم احتاج للعودة ٨٠ مترًا إلى الوراء لـ”اصطياد” مخالفة تسببت في إلغاء هدف مصر الثاني الذي سجله مصطفى زيكو، بينما لم تُراجَع لقطات مشابهة سبقت أهداف الأرجنتين الحاسمة؟ هذه اللقطة وصفها معلقو BBC وSky وITV بأنها تناقض صارخ مع معايير التحكيم طوال البطولة، وسط غضب جماهيري واسع وموجة تفاعل ضخمة على منصات التواصل الاجتماعي وصفت ما جرى بـ”المظلمة التحكيمية”.

ظلال السياسة.. من علم فلسطين إلى هاتف ترامب
الربط بين مواقف مصر السياسية وما حدث في الملعب أصبح سؤالاً مشروعاً تفرضه وقائع الأحداث. قبل أيام، رفع حسام حسن علم فلسطين احتفالًا بالتأهل التاريخي، وتحدث بضمير حي عن معاناة الشعب الفلسطيني. وعندما يرفع مدرب منتخب علمًا كهذا أمام ملايين المشاهدين، وتختار الفيفا الصمت عن معاقبته، ثم تأتي المباراة التالية محمّلة بجدل تحكيمي واسع، يصبح السؤال مشروعًا: هل كان توقيت الجدل مجرد صدفة؟

ما يمنح هذا التساؤل ثقلاً حقيقياً، هو سابقة موثقة شهدتها
هذه البطولة نفسها في أمريكا: تدخل الرئيس دونالد ترامب شخصيًا بمكالمة هاتفية مع رئيس الفيفا جياني إنفانتينو لمراجعة عقوبة البطاقة الحمراء للمهاجم الأمريكي فولارين بالوجون، واستجابة الفيفا الفورية بتعطيل الإيقاف في سابقة لم تحدث منذ ستين عامًا – اعترف بها إنفانتينو نفسه صراحة. ووصف الاتحاد البلجيكي القرار بـ”غير المبرر”، ووسائل إعلام دولية تحدثت عن “أزمة نزاهة” تلاحق المنظمة.

المعطى الزمني هنا يضفي مزيدًا من الثقل على التساؤلات؛ فقبل أيام قليلة فقط من موقعة أتلانتا، كانت هواتف واشنطن وفيفا على خط ساخن لمراجعة عقوبة لاعب أمريكي. ثم في ليلة مصر، لم تُراجَع لقطات مصيرية مماثلة. هذا التوقيت، وإن لم يثبت تدخلاً مباشرًا في مباراة مصر تحديدًا، فإنه يفتح باب التساؤل على مصراعيه حول كيفية عمل النفوذ داخل المنظومة الدولية، ويثبت أن هذا الباب لم يعد نظريًا، وإنما واقعًا معترفًا به من رئيس الفيفا نفسه.

المونديال الأمريكي وأزمة المنتج الاستهلاكي
مونديال يُقام في أمريكا دون ميسي والأرجنتين في الأدوار الحاسمة هو كابوس تسويقي لرجال المال في الفيفا والشركات الراعية. وفي ظل غياب الشفافية الكاملة في قرارات الفار، تظل تساؤلات النزاهة معلقة، ويتحول الحياد التحكيمي إلى ضحية ثانية لاقتصاديات المونديال المصيرية. فكرة أن كرة القدم تحولت إلى منتج استهلاكي تُحسم هوامش أرباحه قبل صافرة البداية، لم تعد مجرد شعار، وإنما واقعًا يُقرأ بين سطور كل قرار تحكيمي مثير للجدل.

خرجت مصر مرفوعة الرأس، بأداء استثنائي من نجومها وعلى رأسهم الحارس مصطفى شوبير الذي قدم مباراة بطراز عالمي، وجهاز فني شجاع كسب احترام الملايين. فازت الأرجنتين بفضل ميسي، لكن الخاسر الأكبر في ليلة أتلانتا كان مصداقية كرة القدم ذاتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com