ضجيج “المساحات”.. عندما يتحول “النقد الرياضي” إلى منصة للتأزيم والجلد الذاتي

في العصر الرقمي الفائق، لم يعد الإعلام الرياضي حكرًا على الصحافة المطبوعة أو الشاشات الفضائية، بل أتاحت منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها المساحات الصوتية عبر منصة “إكس”، بيئة مفتوحة لمنح الصوت لكل المتابعين على حد سواء. غير أن هذه الحرية المفتوحة أفرزت ظاهرة إعلامية خطيرة تتمثل في تصدّر غير المتخصصين للمشهد الرياضي، وتحويل المنصات التفاعلية من فضاءات للنقاش الواعي إلى مسارح مفتوحة للضجيج والتعصب، حيث غاب التحليل المنهجي والتفكيك الفني والإداري للواقع، وحلّت محله انفعالات الميول والشغف غير الموجه، ليصبح الصوت العالي بوابات للوجاهة الرقمية على حساب الطرح المهني الرصين.
وتتجلى إشكالية هذه المنصات في كثرة المتحدثين ممن يفتقرون للحد الأدنى من الأدوات النقدية والمعرفة الميدانية بسياقات الإدارة والأنظمة الرياضية، إذ يُقيم المشهد بناءً على الانطباعات الشخصية والنزعات العاطفية التي تحركها الرغبة في إثارة الجدل وجلب التفاعل ضمن ما يُعرف بـ “اقتصاد الانتباه”. هذا النمط من التعاطي أدى إلى تزييف الوعي لدى الشارع الرياضي، وحول النقد من عملية تقويم واستشراف إلى أداة للشحن الجماهيري، بل وتجاوز ذلك ليمس البيئة الداخلية للأندية نفسها عبر نشر حالة من السلبية وتصدير خطابات اليأس.
ويظهر هذا التأثير السلبي بوضوح في طريقة تعاطي بعض أصحاب المساحات والمغردين مع أخبار نادي النصر تحديدًا، حيث أصبحت هذه المنصات مضربًا لظاهرة “جلد الذات” والتهويل الدرامي للوقائع. فتجد ثمة إصرارًا على تصوير الوضع المالي والإداري للنادي وكأنه يمر بضائقة خانقة ستؤدي حتمًا إلى العجز عن تسجيل اللاعبين أو الإفلاس والشطب من القوائم الرسمية، في قراءة تجانب الحقائق وتتجاهل طبيعة الحوكمة والواقع الاستثماري والتنظيمي الحديث للأندية. والأنكأ من ذلك أن هذه السيناريوهات السوداوية لا تقتصر على المشجع الهاوي، بل يقع في فخها بعض الإعلاميين المحسوبين على النادي، ممن انساقوا خلف رغبة مجاراة “التريند” والبحث عن الانتشار السريع، فاستبدلوا التثبت والخبر الموثوق بنشر الشائعات وترويج القراءات المؤزمة.
إن خطورة هذا الضجيج المتواصل لا تتوقف عند حدود السجال الرقمي، بل تمتد لتصنع رأيًا عامًا مشحونًا ومضللاً يتغذى على المعلومات المغلوطة بدلاً من البيانات الرسمية والأرقام الدقيقة. كما يتسبب هذا الشحن المتواصل في ممارسة ضغط غير موضوعي على متخذ القرار داخل المؤسسات الرياضية، فضلاً عن إحباط الجماهير والتقليل المستمر من مكتسبات الفريق وإنجازاته. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى رفع مستوى الوعي الجماهيري لتمهيد الطريق أمام إعادة الاعتبار للنقد الرياضي الحقيقي، والتمييز الواعي بين الطرح العلمي القائم على المعرفة والمهنية، وبين الصراخ الرقمي الذي لا يستهدف سوى صناعة الإثارة وتأزيم المشهد الرياضي.



