مقالات رأي

تزكية اتحاد القدم.. عندما ينتهي السباق قبل أن يبدأ

 

ثلاثة عقود ونحن نبحث عن اللحظة التي نشعر فيها أن كرة القدم السعودية وضعت قدميها على الطريق الصحيح، وفي كل مرة نقترب من تلك اللحظة، يظهر مشهد جديد يعيدنا إلى المربع الأول.

لسنا هنا لنمارس التشاؤم، ولا لنحكم على أحد قبل أن يبدأ عمله. نحن نريد لاتحاد كرة القدم السعودي أن ينجح، ونريد لكرة القدم السعودية أن تكون أكثر احترافاً وقوة واستقلالية وقدرة على صناعة القرار.

لكن النجاح لا يبدأ من الكرسي.

النجاح يبدأ من عدالة الطريق إلى الكرسي.

وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة.

انتظر الشارع الرياضي السعودي الانتخابات بشغف، لأنها كانت بالنسبة لكثيرين فرصة لفتح صفحة جديدة عنوانها الحوكمة والشفافية، وأن يصل إلى رئاسة الاتحاد من يملك المشروع والكفاءة والخبرة والقدرة على إدارة أهم منظومة رياضية في المملكة.

ولهذا كان التفاؤل مشروعاً قبل ظهور تسريبات اعتماد قائمة بدر الرزيزاء رئيساً للاتحاد قبل بدء سباق الانتخابات!

انطلقت الانتخابات، وأُعلنت القوائم، ثم ظهرت تسريبات حول شرط إجادة اللغة الإنجليزية، فإذا بالقوائم تتساقط قائمة تلو الأخرى.

ومع زخم عمليات الاستبعاد، تم استبعاد قائمة حاتم خيمي، التي كنت أظنها من أبرز القوائم المنافسة.

ما المعايير التي بُني عليها قرار الاستبعاد؟

وهل كانت هذه المعايير معلنة بوضوح للجميع قبل فتح باب الترشح، بحيث يدخل كل مرشح وهو يعرف قواعد وإجراءات الانتخابات؟

هذه ليست أسئلة تشكيك، بل أسئلة حوكمة.

حاتم خيمي ظهر في لقاء تلفزيوني وتحدث عن شرط إتقان اللغة الإنجليزية، وذهب إلى أبعد من ذلك عندما أكد قدرته على التحدث بها، وقال إنه يدرّس طلابه باللغة الإنجليزية، بل تحدى المذيع على الهواء بأن يخاطبه بها وأن يسأل طلابه في الجامعة التي يدرس فيها.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:

إذا كان إتقان الإنجليزية شرطاً أساسياً للترشح، فما طبيعة هذا الشرط؟ ومن يقيسه؟ وما المستوى المطلوب؟ وهل كان معلناً مسبقاً بصورة واضحة؟

المشكلة ليست في اللغة الإنجليزية.

المشكلة عندما تتحول اللغة إلى بوابة انتخابية دون أن يفهم الرأي العام كيف فُتحت هذه البوابة ولماذا.

ثم نصل إلى نقطة أخرى تستحق النقاش.

بدر الرزيزاء، الذي أصبح اسمه مرتبطاً برئاسة مجلس إتحاد الكرة، سبق أن قال عن نفسه في لقاء تلفزيوني: «ما عندي خلفية كروية».

وهنا أيضاً لا أريد أن أظلمه.

فقد يكون الإنسان قليل الخبرة الكروية وقادراً على النجاح إدارياً، وقد يمتلك من القدرات القيادية والاقتصادية والاستراتيجية ما يجعله مناسباً لمنصب كبير. وليس مطلوباً من رئيس اتحاد كرة القدم أن يكون لاعباً سابقاً أو مدرباً أو حكماً.

لكن عند مقارنة المرشحين، تصبح الخبرة جزءاً مشروعاً من النقاش، خصوصاً عندما نتحدث عن رئيس اتحاد يدير كرة القدم في بلد يعيش مرحلة استثنائية من الاستثمار والتطوير والطموح الرياضي.

نحن لا نبحث عن رئيس يملك مناصب إدارية أو اقتصادية فقط، مهما كانت تلك الخبرات مهمة ومحترمة في مجالها. فإدارة اتحاد كرة القدم ليست إدارة شركة، ولا مجرد ملف اقتصادي.

إنها منظومة تجمع بين الإدارة الرياضية، والحوكمة، والقانون، والعلاقات الدولية، والمسابقات، والمنتخبات، والأندية، والاحتراف، والتطوير الفني، والملفات المالية والتجارية والإعلامية.

لذلك فإن محدودية الخبرة الكروية والرياضية المباشرة ليست تهمة، لكنها سؤال مشروع عندما يتعلق الأمر بمنصب بهذه الأهمية.

والسؤال لا يتعلق ببدر الرزيزاء وحده، بل بالمعايير التي نريدها لرئيس اتحاد كرة القدم السعودي.

هل نريد شخصاً يملك الخبرة الاقتصادية فقط؟ أم شخصاً يجمع بين الخبرة الإدارية والرياضية والكروية، إلى جانب القدرة على إدارة العلاقات الدولية والملفات القانونية والتجارية؟

هذا النقاش يجب أن يكون مفتوحاً، لأن مستقبل كرة القدم السعودية أكبر من أسماء المرشحين.

ثم نعود إلى النقطة الأهم:

لماذا لم نرَ منذ البداية قواعد واضحة ومفصلة يعرفها الجميع قبل أن تبدأ الانتخابات؟

إذا كانت هناك شروط جوهرية للترشح، فمن الطبيعي أن يعرفها المرشحون والرأي العام قبل دخول السباق، لا أن تظهر وكأنها مفاجآت أثناءه.

فالانتخابات الحقيقية لا تحتاج إلى تفسير بعد ظهور النتائج، بقدر ما تحتاج إلى وضوح قبل بدايتها.

ثم هناك حجة أخرى تستحق التوقف.

اللغة الإنجليزية مهمة بلا شك، لكن هل يمكن أن تكون وحدها معياراً حاسماً للحكم على صلاحية رئيس اتحاد كرة القدم؟

هناك اتحادات كبرى حول العالم، كالاتحادات الفرنسية والإسبانية والبرازيلية والأرجنتينية وغيرها، لم تكن إجادة الإنجليزية شرطاً مستقلاً معلناً لرئاسة الاتحاد فيها. فإدارة كرة القدم منظومة مركبة تجمع الإدارة والاقتصاد والعلاقات الدولية والقانون والتخطيط وفهم اللعبة، وليست اختبار لغة فقط.

نعم، رئيس الاتحاد يحتاج إلى القدرة على التواصل الدولي، لكن وجود مترجم محترف أو جهاز إداري متخصص في العلاقات الدولية ليس عيباً ولا انتقاصاً من الرئيس.

المهم هو وضوح المعيار، وعدالة تطبيقه على الجميع.

والأخطر أن يشعر الشارع الرياضي بأن هناك أشخاصاً محددين هم الأقرب إلى إدارة المشهد، ثم تأتي المعايير لاحقاً لتبرير النتيجة.

قد تكون هذه الصورة صحيحة أو غير صحيحة، لكن مجرد وصولها إلى الشارع الرياضي بهذه القوة يعني أن هناك مشكلة في التواصل والشفافية يجب التعامل معها.

لأن الحوكمة لا تعني فقط أن تكون الإجراءات قانونية.

الحوكمة تعني أن تكون الإجراءات واضحة، عادلة، قابلة للفهم، وقابلة للدفاع عنها أمام الجمهور.

لقد تحدثنا كثيراً عن نتائج المنتخبات وإخفاقاتها والمسابقات والاحتراف والإدارة. لكن الإصلاح الحقيقي لا يكون دائماً في تغيير المدرب بعد الخسارة أو المسؤول بعد الإخفاق.

الإصلاح يبدأ من بناء منظومة تجعل الشخص المناسب يصل إلى المكان المناسب وفق معايير معلنة لا تقبل التأويل.

لا أملك شيئاً ضد بدر الرزيزاء، ولا أطالب بإقصائه لمجرد أنني أرى أن خبرته الكروية محدودة.

وإذا نجح في قيادة الاتحاد السعودي لكرة القدم، فسأكون أول من يتمنى له النجاح، لأن نجاحه في النهاية نجاح لكرة القدم السعودية.

لكن من حقي كمراقب ومتابع أن أسأل:

هل كان الطريق إلى هذا المقعد بمعايير عادلة وواضحة؟

هل أُعلنت الشروط قبل الانتخابات بوقت كافٍ؟

هل يستطيع الرأي العام فهم أسباب استبعاد أي قائمة دون الحاجة إلى الاجتهاد والتأويل؟

وهل كانت الكفاءة والخبرة والمشروع هي العنوان الأكبر لهذه الانتخابات؟

هذه ليست أسئلة سلبية.

هذه أسئلة من يريد أن يرى كرة القدم السعودية أفضل.

لقد تفاءلنا بالانتخابات لأننا اعتقدنا أنها ستكون بداية مختلفة.

فلا تجعلوا هذا التفاؤل يتحول إلى خيبة.

أعطني الشفافية.
أعطني المعايير.
أعطني الأسباب.

وأثبت لي أن من وصل إلى كرسي رئاسة اتحاد القدم وصل لأنه كان الأفضل وفق قواعد واضحة ومعلنة وعادلة، وليس لأنه كان الأقرب إلى المشهد.

فكرة القدم السعودية اليوم أكبر من الأشخاص، وأكبر من المناصب، وأكبر من أي انتخابات.

والاتحاد السعودي لكرة القدم يستحق أن تكون شرعيته في أعين الناس أقوى من مجرد شرعيته في الأوراق.

ومضة:
فقل لمن يدعي في العلم فلسفةً
حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com