ما بعد المرحلة الانتقالية: نحو استقلالية الكيانات وفصل الملكيات الرياضية

يمر المشهد الرياضي السعودي بمرحلة إعادة هيكلة جذرية ومفصلية في مسار الخصخصة والتحول المؤسسي، تمثلت في إنهاء مرحلة “النموذج المزدوج” والانتقال بالكامل نحو ملكية صندوق الاستثمارات العامة بنسبة مئة بالمئة للأندية المستحوذ عليها، بعد أن كانت الصيغة السابقة قائمة على توزيع الحصص بين خمسة وسبعين بالمئة لشركة النادي الربحية وخمسة وعشرين بالمئة للمؤسسة غير الربحية. لم تكن الصيغة السابقة سوى جسر مرحلي كشفت التجربة الميدانية عن تعقيداته التشغيلية والإدارية، مما استدعى الحسم لتسريع وتيرة التحول الشامل نحو صناعة رياضية مكتملة الأركان وفق مستهدفات رؤية السعودية 2030.
جاء حل المؤسسات غير الربحية نتيجة تراكمات إدارية وتنظيمية واضحة؛ إذ خلق وجود مجلسين أحدهما استثماري والآخر يمثل المؤسسة غير الربحية ازدواجية في مراكز القرار وتداخلاً في الصلاحيات التنفيذية، فضلًا عن إبطاء وتيرة التفاوض وإبرام الصفقات الكبرى وإدارة الأصول. كما أن الطبيعة العاطفية والشرفية التي ميزت المجالس غير الربحية اصطدمت في كثير من الأحيان بصرامة معايير الحوكمة المالية، وقيود اللعب المالي النظيف، ومتطلبات الاستدامة الاقتصادية التي يسعى الصندوق لترسيخها. ومن هنا، كان تفكيك هذه الصيغة المركبة ضرورة لإلغاء أي تشوهات بيروقراطية وتوحيد مرجعية القرار تحت قيادة تنفيذية محترفة ومسؤولة بصورة مباشرة.
لكن، ومع وصول نسبة الاستحواذ إلى مئة بالمئة، يبرز التساؤل الجوهري حول آليات منع ازدواجية القرارات وتفادي تعارض المصالح الناشئ عن وجود أكثر من نادٍ متنافس تحت مظلة مالك استثماري واحد. ولتجاوز هذه الإشكالية القانونية والتنافسية، تتجه الأنظار نحو تطبيق نموذج حوكمة متقدم يفصل إدارة كل نادٍ عن الآخر عبر إسناد ملكية كل كيان رياضي إلى شركة مستقلة وتابعة لمحفظة الصندوق على حدة، مما يمنح كل نادٍ استقلالية تشغيلية ومالية وقانونية كاملة ويفك الارتباط الإداري المركزي المباشر.
تسهم هذه الاستقلالية المؤسسية بين الكيانات في ضمان تكافؤ الفرص، وحماية عدالة التنافس الرياضي محلياً وقارياً، والامتثال للوائح الدولية الصارمة الصادرة عن الاتحادات القارية والدولية بشأن تعدد ملكية الأندية في مسابقة واحدة. كما يمهد هذا الفصل المالي والإداري الطريق لتحويل كل نادٍ إلى أصل استثماري قائم بذاته، عالي القيمة والشفافية، وجاهز تماماً للطرح الاستثماري أو البيع المباشر لمستثمرين من القطاع الخاص المحلي والدولي كلاً على حدة، بما يدعم الاستدامة المالية الشاملة ويضع الرياضة السعودية على خارطة الصناعة الرياضية العالمية بأعلى معايير الحوكمة المؤسسية.



