رخيص… ويشبّع!

ليست جملة تُقال على عجل في سوقٍ شعبي بل تحوّلت – للأسف – إلى فلسفة تُدار بها بعض إدارات الأندية عند اختيار مدربي الفئات السنية. هناك حيث يُفترض أن تُبنى القواعد وتُصاغ الملامح الأولى للنجوم يصبح القرار أحيانًا أقرب إلى معادلة مالية بحتة أقل تكلفة وأسرع تعاقد.
وهنا السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هل يمكن اختصار “التأسيس” في بند المصروفات؟
الفئات السنية ليست مرحلة عابرة بل هي العمود الفقري لأي منظومة رياضية ناجحة. اللاعب في عمر التكوين لا يحتاج فقط لمن يدربه بل لمن “يصنعه”. المدرب هنا ليس مجرد شخص يشرح تمارين أو يدير حصة تدريبية بل هو مهندس مهارة ومربي عقلية وبوصلة توجه مستقبل لاعب قد يمثل ناديه أو وطنه يومًا ما.
حين يتم اختيار مدرب فقط لأنه “مناسب ماليًا” فإن النادي في الحقيقة لا يوفّر بل يؤجل الخسارة. الخسارة لا تظهر فورًا لكنها تتجلى لاحقًا في لاعب غير مكتمل أو موهبة ضاعت بين أساليب تدريب عشوائية أو فريق أول يبحث في السوق عن ما كان يجب أن يصنعه بنفسه.
المفارقة أن بعض الإدارات تتشدد في اختيار مدرب الفريق الأول وتدفع بسخاء بينما تتساهل مع الفئات السنية وكأنها مرحلة هامشية. مع أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا فالفريق الأول هو “الناتج” أما الفئات السنية فهي “خط الإنتاج”.
المدرب المتخصص في هذه المرحلة يجب أن يمتلك أدوات مختلفة. فهم نفسي للاعب الصغير وقدرة على بناء المهارة تدريجيًا و إلمام بأسس التدريب الحديثة وصبر لا يُقاس بالنتائج السريعة. هذه المواصفات لا تأتي بثمن “رخيص” لكنها تأتي بقيمة “عالية”.
الرياضة اليوم لم تعد مجرد نتائج آنية بل صناعة طويلة الأمد. والأندية التي تفهم هذه المعادلة تستثمر في المدرب قبل اللاعب وفي التأسيس قبل التتويج.
أما من يكتفي بشعار “رخيص ويشبّع” فغالبًا سيجد نفسه يومًا ما أمام حقيقة مُرّة ، لا هذا أشبع الطموح ولا ذاك بنى المستقبل
ومضة أخيرة:
تبقى الحقيقة واضحة لمن أراد أن يراها التأسيس لا يُشترى بأرخص الأثمان ولا يُبنى بعقليات تبحث عن الحلول السريعة. الاستثمار الحقيقي يبدأ من هناك من المدرب الذي يزرع قبل أن يحصد ويؤسس قبل أن ينافس. فإما أن تختار الأندية طريق البناء الصحيح مهما كانت تكلفته أو تستمر في دفع ثمن “الرخص” سنواتٍ من ضياع المواهب وتراجع النتائج.



